آخر الأخبارالسلايدر الرئيسيالغد الاردني

تأمين “مدني” وآخر “ضمان”.. هل يزيدان الهدر؟

رانيا الصرايرة

عمان – جددت تعديلات أقرها مجلس الوزراء، الاثنين الماضي، على نظام التأمين الصحي المدني، مطالبات مدنية بضرورة ايجاد قاعدة تأمين صحي وطني شامل يضم تحت مظلته كافة الجهات والافراد، خاصة بعد صدور تصريحات عن مؤسسة الضمان الاجتماعي تؤكد قرب إعلانها عن شمول منتسبيها في التأمين الصحي، مقابل رفع الاقتطاعات الشهرية على مشتركي الضمان، لاسيما وان خبراء يشيرون إلى أن ذلك سيزيد من الهدر، بسبب ما وصفوه “غياب التنسيق” بين الجهتين.


وكان وزير الصحة الدكتور فراس الهواري، أكد أول من أمس على أهمية التعديلات التي تم إدخالها على نظام التأمين الصحي المدني، والذي تم إقرار نسخة معدلة منه من قبل مجلس الوزراء الاثنين الماضي ودورها في توسيع قاعدة المشمولين في التأمين الصحي المدني وتحقيق العدالة والمساواة بين المنتفعين.


وأوضح الهواري في تصريح صحفي، أن سريان النظام المعدل لنظام التأمين الصحي المدني سيكون بعد 60 يوما من صدور الإرادة الملكية السامية بالموافقة عليه ونشره بالجريدة الرسمية، حيث تضمن بعض التعديلات التي تتعلق بالمنتفعين مع المشترك إلزاميا بموجب أحكام نظام التأمين الصحي المدني، ومنها استمرار انتفاع الأبناء الذكور العازبون الذين أتموا سن الثامنة عشرة من العمر بالاضافة إلى استمرار انتفاع الأبناء الذكور والاناث الذين أتموا الخامسة والعشرين من العمر، مقابل دفع المشترك لبدل شهري مقداره خمسة دنانير إذا كان الابن غير عامل وعشرة دنانير إذا كان عاملا. أما الابنة العاملة فيترتب على انتفاعها بدلا شهريا مقداره خمسة دنانير.


وأضاف الهواري أن التعديلات ستتيح للمشترك إضافة الزوج (أو الزوجة) العامل أو الحاصل على راتب تقاعدي مقابل بدل شهري مقداره عشرة دنانير، بغض النظر عن كون المنتفع مؤمن بتأمين صحي آخر.


كما ستسمح التعديلات للمشترك إضافة أخواته المطلقات أو الأرامل غير العاملات وغير الحاصلات على راتب تقاعدي وليس لهن أبناء، أو لهن أبناء ذكور تقل أعمارهم عن سن الخامسة والعشرين.


وبموجب النظام المعدل سيصبح بإمكان المشترك إضافة أخواته (العاملات أو ممن يتقاضين راتبا تقاعديا) سواء أكن عازبات، أو مطلقات أو أرامل ممن ليس لهن أبناء ذكور أو لهن ابناء ذكور تقل أعمارهم عن سن الخامسة والعشرين، وذلك مقابل دفع بدل شهري مقداره خمسة عشر دينارا.


وستجيز التعديلات للمشترك ايقاف انتفاع أي من افراد أسرته المنتفعين معه بالتأمين، والسماح له باعادتهم وذلك مقابل دفع مبلغ مالي مقداره 50 ديناراً عن المنتفع من المجموعة الأولى، ومقابل مبلغ مالي يُقدر بقيمة بدل الاشتراك الشهري المترتب على إضافة المنتفعين عن كامل مدة الايقاف في حال كان من المجموعة الثانية، مع اشتراط أن يكون سبب ايقاف الانتفاع للمجموعة الأولى (كالزوج والزوجة غير العاملين والأبناء دون الثامنة عشر) هو الرغبة بالحصول على تأمين صحي آخر.


وسيتيح النظام المعدل للمشتركين إلزاميا في صندوق التأمين الصحي المدني طلب إيقاف بطاقة التأمين الصحي، أو عدم إصدارها أو تجديدها، لغايات الحصول على تأمين صحي آخر، أو الانتفاع من درجة تأمين صحِّي أعلى، شريطة أن يستمرّ اقتطاع بدل الاشتراك الشَّهري المنصوص عليه في هذا النظام من المشترِك.


بدوره قال مدير مؤسسة الضمان الاجتماعي حازم رحاحلة في مقال نشره قبل أيام ان مشروع التأمين الصحي الخاص بمشتركي الضمان الاجتماعي، جاء بعد ان أمضت المؤسسة نحو عامين على دراسة كافة تفصيلاته بالتعاون مع الشركاء المعنيين بالقطاع الصحي، وأصبح اليوم قاب قوسين أو أدنى للتطبيق.


وقال رحاحلة “غاية المؤسسة الأساس من المشروع في تطبيق التأمين تكمن في توفير رعاية طبية تتناسب وتوقعات العاملين والمتقاعدين وأسرهم، رعاية طبية مبنية على أسس العدالة والتضامن والتكافل، فصغار السن يتضامنون مع كبار السن، الأكثر عرضة للمرض، وغير المرضى يدعمون المرضى وأصحاب الأجور الأعلى يتكافلون مع أصحاب الأجور الاقل، والأعزب يتضامن مع المتزوج، وهكذا”.


وأكد ان التأمين الصحي سيبني على مقومات القطاع الصحي ولا سيما الخاص منها، من مستشفيات ومرافق صحية وقطاع تأمين متقدم، هذا بالإضافة إلى مراكز الرعاية الطبية الأولية لوزارة الصحة والمراكز والعيادات الطبية الخاصة والاهلية. المؤسسة اليوم، وبعد استكمالها للدراسات والترتيبات التشريعية اللازمة لتطبيق التأمين تمهيدا للسير بالمراحل التشريعية لإقرارها، بدأت بالإعداد الى الترتيبات والإجراءات الفنية اللازمة لتطبيق التأمين وفقا لمنظومة متقدمة لتقديم الخدمات المرتبطة بالتأمين.


لكن الطبيب المتخصص في الاقتصاد الصحي والسياسات الصحية الدكتور يوسف زوانة يؤكد ان المبادرات الخاصة في توفير التأمين الصحي في الأردن غير منسقة، ولذلك “ستضر النظام الصحي أكثر مما ستنفعه، إذ ستبقى المشاكل الملخصة بغياب العدالة والكفاءة والتكافل والاستدامة كما هي، بينما تظهر مشاكل جديدة بسبب هذه التعديلات، النظام الصحي ومنتفعيه في غنى عنها.


وقال إن” الأولى أن نتروى قليلا قبل المضي بهذه الخطوات، فما يحتاجه نظامنا الصحي هو خطة صحية وطنية تعمل على تحقيق تكامل القطاعات العامة والخاصة من خلال الشراء الاستراتيجي من كافة مزودي الخدمة الصحية دون استثناء، وتلعب فيها مؤسسة الضمان دورا قياديا كونها الطرف الأكثر تأهيلا لتوفير التأمين الصحي الاجتماعي”.


ويرى زوانة انه في حالة الضمان الاجتماعي، يسعى هذا التعديل إلى زيادة التغطية الصحية عبر تأمين المشتركين في الضمان غير الحاصلين حاليا على تأمين صحي، انطلاقا من خطأ شائع مفاده اعتبار الحاصلين على تأمين صحي اختياري (أي العاملين في القطاع الخاص) بأنهم مؤمنون فعلا، بينما الواقع هو أنهم رغم اشتراكهم في التأمين لا يحصلون على أي تغطية صحية بعد تقاعدهم –أي حين يكونون في أمس الحاجة إليه- أو حين تتجاوز كلف علاجهم السقف المسموح به.


وأضاف ” وقد رأينا ذلك بأم أعيننا خلال موجات كورونا حين عانت هذه الفئة من تحمل كلف علاج وصلت إلى 30 ألف دينار في بعض الحالات وأحيانا أكثر. إن النتيجة المتوقعة من تنفيذ مبادرة الضمان الاجتماعي هو أن ترتفع نسبة التغطية الصحية في الأردن نظريا وعلى الورق، بينما يزداد تشظي النظام الصحي مع ظهور صندوق تمويلي جديد يضاف إلى العديد من الموجودة حاليا، ويزداد اتساع الفجوة في العدالة حيث ستتكون فئة جديدة من المرضى أغلبهم من ذوي الدخل المحدود تحصل على خدمة صحية مختلفة تماما عن تلك المتوفرة لدى المؤمنين في التأمين المدني أو العسكري أو الاختياري”!


أما تعديلات نظام التأمين الصحي المدني فيشرح زوانة انها تسعى الى زيادة التغطية الصحية بطريقة “واضح أنها لم تنسق” مع مؤسسة الضمان، حيث أنها تتقاطع معها إلى حد كبير، فالتعديل سيسمح بشمول الأبناء الذكور فوق 18 عاما غير الحاصلين على تأمين من جامعاتهم بالتأمين المدني، وهذه فئة ستنطبق على بعضهم أيضا شروط الضمان الاجتماعي.


الأمر الثاني الذي يسعى منه التعديل هو خفض النفقات وتحديدا كلف الأدوية والتحويل عبر زيادة الأجور المترتبة عنها مما سيؤدي إلى تخفيضها. لكن ” المشكلة هنا هي أن الإنفاق الدوائي في القطاع العام أصلا منخفض مقارنة بالمعايير العالمية (17 % من كامل الإنفاق الصحي العام في عام 2017)، بينما الهدر والانفاق غير المنضبط يتركز في عمليات التحويل للقطاع الخاص والجامعات، وكلاهما لن يتأثرا بالتعديل.

بمعنى آخر، فإن تعديل نظام التأمين المدني لن يكون له أي أثر إيجابي على الأغلب، وسيؤدي فقط إلى زيادة كلف الخدمة الصحية على المنتفعين، مما قد يحرم غير القادرين على دفع الأجور الجديدة من العلاج “بحسب زوانة.


مدير بيت العمال حمادة أبو نجمة، يؤكد ان تعديلات نظام التأمين الصحي المدني تركز على جانب شمول أفراد أسرة المشتركين كالأبناء الذكور بعد بلوغ الثامنة عشر والذكور والإناث بعد الخامسة والعشرين والزوج أو الزوجة المنتفع من تأمين صحي آخر، إضافة إلى الأخوات المطلقات أو الأرامل، كل ذلك مقابل اشتراكات تتفاوت ما بين خمسة دنانير وخمسة عشر دينارا شهريا عن كل منهم.


ويرى أبو نجمة أن التوسع في شمول شرائح أوسع بمظلة التأمينات الصحي أيا كان نوعها شيء مهم، وهذا يتسق مع احتياجات المواطنين الذين يفتقد غالبيتهم إلى تأمين صحي حقيقي يغطي متطلبات الرعاية الصحية اللازمة لهم، لكنه يؤكد أن هذا التعديل يدفع إلى طرح التساؤل حول ما إذا كان سيشكل أحد البدائل للتأمين الصحي الشامل الذي وعدت به الحكومات على مدى السنوات الماضية دون أن تحققه، خاصة في ظل تردد الحكومات في التعامل مع هذا الملف وتلميحات من مسؤولين ومختصين حول الكلف العالية التي سيكبدها التأمين الشامل للخزينة، وضغوطات من أصحاب المصلحة في بقاء الوضع القائم حاليا على ما هو عليه.


ويقول “من الواضح أن هذه التعديلات تنطوي على دعوة شريحة واسعة من المواطنين المشمولين بالتأمين الصحي لموظفي الحكومة (التأمين الصحي المدني) إلى شمول أفراد من أسرهم كان نظام التأمين الصحي المدني لا يشملهم على اعتبار أنهم يتمتعون “من الناحية القانونية على الأقل” باستقلالية مالية عن المشترك ولا يعتبرون ممن يستحقون رعايته”.


ويشدد أبو نجمة على فكرة انه لا بديل عن التأمين الصحي الشامل مهما بلغت كلفته، تأمين تكون قاعدة شموله جميع فئات المجتمع وبشكل خاص الفئات المحرومة التي لا تنتمي لمنظومة تأمينات القطاع العام ولا الخاص، يوحد أسعار الخدمات العلاجية ولا يلغي عمل صناديق التأمين القائمة، مبينا ان فقد الدراسات اثبتت أن بالإمكان تحقيق ذلك دون كلف إضافية على الخزينة، مقارنة مع الكلف التي تتكبدها نتيجة تشتت أنظمة التأمين والمساعدات وعدم انتظامها وعدم خضوعها لحوكمة حقيقية وسوء الإدارة والهدر غير المبرمج، فالتأمين الشامل واجب على الدولة وفق كل المعايير وسيطبق عاجلا ام آجلا فهو ليس خيارا، ولكن تطبيقه اليوم أفضل من تأجيله، ويجب أن يمثل أولوية وأن لا يقف موضوع الكلفة سدا أمام أهمية تحقيقه.

إقرأ المزيد :

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock