أفكار ومواقف

تباطؤ اقتصادي قاسٍ

يعاني الاقتصاد الوطني من التباطؤ الشديد وتراجع في معدلات النمو، وهو مرشح للدخول في حالة من الركود التي لم يدخلها بعد. الشكوى من الحال الاقتصادي الصعب تسمعها في كل مكان، وهي ليست انطباعية لأن من يشتكون ليسوا من زمرة الشعبويين المتذمرين دوما، بل ممن يمارسون الأعمال ويشاركون بالنشاط الاقتصادي بشكل يومي ويتلمسون تراجع الاقتصاد. الشكوى من “الحال الواقف” لم تعد مقتصرة على فئات المجتمع المتوسطة والفقيرة وإنما تجاوزتهم لتصل لأصحاب الأعمال والمشغلين والشركات والمؤسسات الاقتصادية الكبرى؛ هذا شأن خطير لأن هذه الفئة المسيرة للاقتصاد مؤثرة جدا بالرأي العام وتمتلك قدرات الضغط المختلفة وقد يكون دورها وموقفها حاسمين في عديد التحديات التي يواجهها الوطن.
الإيرادات الضريبية ارتفعت بعد إقرار قانون الضريبة ودخوله حيز النفاذ، لكن الإيرادات العامة تأثرت سلبا بسبب حالة التباطؤ التي يشهدها الاقتصاد. وبالرغم من أهمية الاستقرار النقدي والمالي كأساس لإحداث النمو المأمول، وهذا هو نهج الأردن ورؤيته الاقتصادية، إلا أن واقع الحال يقول إن النمو بالاستناد إلى قاعدة إحقاق الاستقرار المالي أولا أمر لن يحدث إلا في المدى الاستراتيجي البعيد، بعد أن يتم تحقيق السيطرة على العجز والدين وخدمته، وترتفع معدلات الثقة بالاقتصاد وقدرته على السداد والنمو.
لا نملك ترف الانتظار لكي تحدث الانطلاقة الاستراتيجية بعيدة المدى المؤملة في النمو الاقتصادي لانتعاش السوق. لا بد من إجراءات آنية مرحلية عاجلة تعطي رمقا للاقتصاد وتبث فيه بعض الانتعاش. في حالات شبيهة كان يتم تبني أفكار خلاقة تضخ السيولة في الاقتصاد فتحركه، والسيولة كانت تأتي أحيانا من استحقاقات الخزينة ملزمة بدفعها، مثل دفع ديون المواطنين على الحكومة، وهي فكرة خلاقة استحدثها وزير المالية الحالي الدكتور كناكرية عندما كان أمينا عاما لوزارة المالية، فتم بموجبها ضخ ما يقرب من ثلاثمائة مليون دينار في الاقتصاد، الأمر الذي أدى إلى إنعاشه وزيادة نموه. ودفعت الخزينة فوائد أقل على السندات من تلك التي يحققها القانون على مستحقات الناس لدى الحكومة والبالغة 9 %. وهناك أفكار أخرى من قبيل دفع أموال مستحقة لقطاعات كالمقاولين وغيرها، فهذه في النهاية، أموال يجب أن تدفع وهذا القطاع، وغيره، محرك للنمو ويدفع عجلة الاقتصاد للدوران. قد ينظر أيضا بالدفع والتسريع للبدء بتنفيذ مشاريع على طريقة البناء والإدامة والتمليك أو التأجير التمويلي، وهو نموذج أثبت نجاحه ويخدم الحكومة والقطاع الخاص في آن معا، كما يحرك مياه السوق الراكدة.
تخفيض أسعار الفائدة بطريقة مدروسة ومعقولة قد يشكل واحدا من أقوى الحلول وأكثرها فاعلية، فذلك يضخ سيولة نقدية بالسوق كون تخفيض أقساط البنوك بانخفاض الفائدة يزيد من كميات المال الجاهزة للإنفاق بين يدي المقترضين ويرفع الطلب الكلي على السلع. كثير من الدول تلجأ لهذه الطريقة لدفع معدلات النمو للأعلى. الأردن له خصوصية نعم، ولكن أوضاعا مثل التي نمر بها اليوم تستحق أن ندرس تخفيض أسعار الفائدة.
لا بد من الانتباه لخطورة ما وصل إليه الوضع الاقتصادي بسبب التباطؤ، والعمل بطريقة تحافظ على مكتسبات برنامج الإصلاح المالي والهيكلي، وبذات الوقت عدم انتظار أرقام النمو لكي ترتفع من ذاتها، بل تقديم أفكار ومبادرات لإعطاء شيء من الحركة والحياة للاقتصاد.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock