أفكار ومواقف

تباعد أم منع للتجول؟

الأردنيون اليوم لا يعرفون الكثير عن الاتجاهات المستقبلية للجائحة وهم تائهون وسط الجدل حول الإغلاق والحظر والعودة إلى الجامعات والمدارس. الأرقام المسجلة للإصابات والوفيات مخيفة ولا توجد تفسيرات منطقية لذلك. البعض يستغرب سبب دخول الفيروس المتحور إلى بلد كان الأكثر تشددا في حماية أبنائه. الحكومة تعيد استخدام نفس الإجراءات ولا توجد قناعة لدى الناس بأننا نجحنا في تطوير منهجية تساعد في تجويد أدائنا فلا تزال البدائل المتاحة لصناع القرار تتراوح بين الحظر والمخالفات. في أذهان الناس إن منع التجول مطلب للسلطات وكل ما يعنيهم ألا يشاهدوا أحدا في الشارع، مع أن المقصود تحقيق التباعد لكي لا يجد الفيروس مضيفا جديدا ويتكاثر.
في غياب المطاعيم أو صعوبة الحصول عليها يبقى التباعد والتعقيم وتقليل المخالطة الوسائل الأهم في الوقاية والحد من انتشار العدوى ومحاصرة المسبب. الإجماع العلمي لكل ما نشر حول الكورونا يشير إلى أن الفيروس ينتقل مع الرذاذ المتطاير من المريض أثناء العطس أو السعال أو من خلال لمس الأشخاص للأسطح والأدوات الملوثة دون استخدام وسائل الوقاية والتعقيم.
في المجتمع الأردني الذي كان من أوائل من اتخذ إجراءات واسعة للحد من وصول الفيروس وانتشاره تبنت الدولة سياسة التباعد الجسدي ووضعت مجموعة من الإرشادات والمحاذير والقواعد التي تحقق الوقاية وتحمي الأفراد والمجتمع من أخطار الفيروس وتبعاته. الإجراءات الأردنية كانت فاعلة وبدرجة كبيرة قبل أن يتغلغل الفيروس في المجتمع لدرجة أنها بدت كتمرينات تحضيرية لما يمكن على المجتمع القيام به لو دخل الفيروس إلى بيوتنا وأحيائنا وقرانا وفتك بأصدقائنا وأحبتنا.
لأشهر عديدة وفي الوقت الذي كنا نسمع فيه عن تفشي الوباء في إيطاليا وإسبانيا وإنجلترا كنا نستمع في كل مساء إلى إيجاز وزيري الإعلام والصحة وهما يتحدثان عن بضع حالات هنا واشتباه بمخالطة هناك كل ذلك في الوقت الذي تخضع فيه البلاد لنظام إغلاق صارم ولا يغادر أحد مكان إقامته إلا بتصريح. وفي كل مرة يطل علينا وزير الصحة يحدثنا عن الحالات ومصادرها ويؤكد على أن غالبيتها خارجي وتتحرك الفرق لحصر المخالطين ومن خالطهم والتأكد من أن الفيروس لم يخرج من تحت سيطرتهم.
بعد هذه الإنجازات المبكرة التي تبدو كنتائج طلبة الثانوية العامة في الامتحان التجريبي تغيرت الأحوال كثيرا وتدحرجت للأسوأ، فقد لحقنا بكل الدول التي كانت تعاني وتفوقنا عليها وأصبحت الأردن أكثر دول العالم في نسبة الإصابات لعدد السكان وزاد عدد الإصابات لدينا عما سجل في السعودية والإمارات التي كانت أرقامها بالآلاف عندما كانت أرقام الإصابات لدينا بالعشرات.
في الأردن اليوم تجاوز عدد الإصابات في المملكة ما سجل في الصين التي كانت أول البلدان معاناة من الجائحة وتخلينا عن الزهو الذي صاحب الإنجازات الأولى بشكل أخاف الناس وأضعف الثقة وأثار العشرات من الأسئلة عن مستوى فعالية الإجراءات المتبعة وإذا ما كانت هي الأنسب أم هناك أشياء لم يجر تجريبها ولا الأخذ بها.
في العديد من بلدان العالم هناك تحسن ملحوظ في الإجراءات المتبعة لوقف أو إبطاء تفشي الوباء فقد انخفضت المعدلات في الولايات المتحدة وبعض البلدان الأوروبية والعربية وتوسعت بعض الدول في إعطاء اللقاح ليصل إلى 50 % من السكان في بعض الدول المجاورة وتقلص أعداد الوفيات أو الإبقاء عليها دون ارتفاع يذكر.
ما يحصل في الأردن اليوم مخيف ومربك ففي الوقت الذي يشغل فيه الأطباء والخبراء الفضاء بتصريحاتهم وتهويلاتهم وتحليلاتهم وبيان مواقفهم الخاصة والعامة لا يوجد تقدم في إعطاء المطعوم فلا تزال نسبة من تلقوه أقل من 1 % كما أننا في جدل واسع حول الإغلاق والعودة إلى المدارس وفتح القطاعات وإغلاقها.
على كل الصعد يحتاج الأردنيون اليوم إلى جرعات من الثقة والطمأنينة وجرعات أكثر من المطعوم لتصل إلى 30 % من الناس كحد أدنى كما نحتاج إلى محاسبة المسؤول عن تأرجح الإجراءات التي أدت إلى دخول السلالات المتحورة إلى بلد كان السباق في حماية أبنائه طوال الأشهر الستة الأولى من العام 2020.
منع التجول لا يعني التباعد، ووقف النشاط في الفضاء العام لا يعني التباعد فهناك عائلات يسكن كامل أفرادها في نفس المبنى أو نفس الشارع وقد تزداد المخالطة بين هؤلاء بسبب إجراءات منع التجول. تجربة إصابة العشرات من أبناء الأسرة الواحدة تثير أسئلة كثيرة حول العلاقة بين وقف النشاط في الفضاء العام وزيادة التفاعل في البيئات والفضاءات الخاصة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock