أفكار ومواقف

تبرير عقلي للأهواء غير العقلانية

“فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”
نعيش على نحو مألوف ومتقبل ظاهرة المزج المتناقض لدى الشخص الواحد بين مواقف واتجاهات عقلانية وأخرى مناقضة للعقل ولما يؤمن، وتخفيض مستوى الأدلة والبراهين لما نؤمن به، وحشدها مثل فيلسوف ضد الاتجاهات والأفكار التي نختلف معها، كيف يستوعب المثقفون على نحو عام مستوى جيدا من المعرفة والتخصص العلمي والمهني ويلتزمون مناهج علمية في التفكير والعمل، ويؤمنون بقيم عليا من الحريات والعدالة والديمقراطية والمساواة؛ ولكنهم في الوقت نفسه يتخلون عن مناهجهم وقيمهم في مجالات ومواقف أخرى؟ الظاهرة تملأ الفضاء العام، .. أن تجد مثقفا يقدم المعرفة العلمية في مجالات تخصصه أو الثقافة العامة وفي كتاباته وفي أبحاثه، لكنه في الوقت نفسه يؤمن بقائد سياسي أو ديني إلى درجة العبادة، ويروج ويفسر مواقفه المتناقضة تماما مع ما يقوله ويؤمن به في القضايا والمجالات الأخرى؛ العلماني أو غير المتدين أو غير المسلم، لكنه يجادل بحماس عظيم مناصرا ولاية الفقيه، والمناضل الناشط لأجل العدالة والديمقراطية في بلده أو بشكل عام لكنه يعبد دكتاتورا دمويا، والذي ينتقد خطاب وأفكار جماعات الإسلام السياسي لكنه يؤيد الخطاب نفسه الذي تقدمه السلطة السياسية في المناهج التعليمية والمؤسسات الدينية، والمؤمن الذي يتقبل كل ما يؤمن به على أنه حق نزل من السماء لا يقبل التفكير والجدل، ولا يحتمل النقد والجدل، لكنه في الوقت نفسه يخوض عمليات نقد وتحليل عقلي وفلسفي عميق للمعتقدات والأفكار الأخرى، والأيديولوجي الذي يتبع اتجاها فلسفيا أو سياسيا مسلما بلا حرج، ويجادل بعلمية صارمة الأيديولوجيات الأخرى، والمؤمن بقوميته أو إثنيته على نحو يجعله يشمئز من الآخر، ويرفض التعصب القومي والإثني لدى الأمم والجماعات الأخرى،..
الحال أنها ظاهرة إنسانية ولا تخص مجتمعا أو أمة، فالناس جميعا يفكرون وينشئون وجهاتهم العامة والسياسية والمعرفية على نحو أعقد بكثير، من القواعد والمناهج العقلية المجردة، بل إن العقل لا يقرر ولا يعمل دائما بقواعد عقلانية، وهذه إحدى الصدمات العميقة للوعي الإنساني والتي أنشأها علم النفس الحديث على يد فرويد، فنحن لا نخطئ بسبب نقص المعرفة فقط، والأغرب من ذلك أن معرفتنا تنشئ حكما عميقا بعدم المعرفة، إنها (المعرفة) تؤشر إلى نقص المعرفة، ويزيد شعورنا وإدراكنا لما نجهله كلما زادت معرفتنا، والأكثر غرابة أن الإطلالة المعرفية على العقل والنفس لم تنشئ معرفة، وما نحتاج إليه في الحقيقة لنعرف الصواب أو نقترب منه، هو أن نمتلئ بمحبة الحقيقة والناس والخير، ونحرر أنفسنا من الكراهية والانحياز، وأن نميز (نحاول) بين الغرائز الهادية لنا في الحياة وبين الأهواء.
يشير عالم النفس الرائد إريش فروم (1900 – 1980) إلى استطلاع جرى في الولايات المتحدة، والاستطلاع وإن كان قديما فإنه يشير إلى حقيقة إنسانية يجب الالتفات إليها، فقد أجاب 79 في المائة من الأميركان بـ “نعم” على سؤال “هل تعتقد ان الناس خلقوا متساوين؟” ولكن 21 في المائة فقط أجابوا بـ “نعم” على سؤال “هل تعتقد أن البيض والأفارقة متساوون؟” يقول فروم: لقد احتاج الإنسان زمنا طويلا ليتحول إلى إنسان عاقل، وسيظل دائما وفي كل عصر وعلى مستوى فردي أو جماعي يحتاج أن يعبر مسافات طويلة وشاقة ليكون إنسانا عاقلا، فالإنسان يغلب عليه أنه كائن قطيعي، يحدد أعماله الدافع الغريزي لمتابعة القائد وإقامة صلة وثيقة بالكائنات حوله، .. وليس ثمة تهديد أكبر لوجودنا من أن نفقد الصلة بالقطيع، لكن أولئك الذين خرجوا من القطيع أو خرجوا عليه هم الذين نقلوا البشرية والمعرفة إلى مراحل جديدة متقدمة، ولولاهم لبقينا قطعانا هائمة في البراري والقفار نجمع الثمار، ونطارد الحيوانات الأضعف منا.

انتخابات 2020
28 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock