آخر الأخبار حياتناحياتنا

تبعات الجائحة.. هل تتسبب بارتفاع حالات الانتحار؟

تغريد السعايدة

عمان– بلوغ حالات الانتحار بالنصف الأول من العام الحالي 68 حالة انتحار من بينها 19 سيدة”؛ أثار الجدل وفرض تساؤلات عديدة حول الظروف التي آلت إلى هذا الارتفاع مقارنة مع سنوات سابقة، وهل هي اجتماعية أم اقتصادية، وإن كانت مرتبطة ارتباطا مباشرا بجائحة كورونا.

خبراء حذروا من هذه الأعداد، داعين في الوقت ذاته من المجتمع والأسرة أن تكون على قدر من الاحتواء والحماية من الضغوط النفسية التي تودي بحياة الإنسان، خصوصا وأن تبعات وتداعيات جائحة كورونا بكل تفاصيلها، سواء بفقدان أفراد جراء المرض، أو ضياع فرص العمل وقلة مصادر الدخل والقلق على المستقبل وحالة التشاؤم، زادت من نسب الاكتئاب.، واعتبار أن “الحياة بلا جدوى”.

منظمة الصحة العالمية، اعتبرت في بيانها باليوم العالمي الذي جاء تحت شعار “الصحة العقلية في عالم غير متكافئ”؛ أن جائحة كورونا أثرت بشكل كبير بسبب تعطل خدمات الصحة النفسية، وتضررت بعض الفئات بشكل خاص، بمن فيهم العاملون والعاملات في الرعاية الصحية والأشخاص الذين يعيشون وحدهم، والطلاب والطالبات، وأولئك المصابون بحالات صحية نفسية أصلاً.

وكان مدير مديرية الطب الشرعي في وزارة الصحة الدكتور حسن الهواري، كشف في تصريحات صحفية عن زيادة العدد مقارنةً بالأعوام السابقة، مشيراً إلى أن حالات الانتحار المسجلة تنوعت بين الانتحار شنقا، والحرق، والسقوط، والعيارات النارية، وتناول ادوية، وتناول مواد سامة، ومبيدات حشرية.

الاستشاري والخبير التربوي الدكتور عايش النوايسة يقول ان الاقدام على خطوة الانتحار تكون نتيجة العجز عن مواجهة الواقع، والمشكلات الطارئة، أو يأس لغياب القدرة على التكيف والتعايش مع الظروف المستجدة والمفاجئة.

ووفق النوايسة، فإن هناك عدة عوامل وراء انتشار هذه الظاهرة في المجتمع وبشكل ملفت، ويقف على رأسها البطالة والشعور بالفشل والاضطرابات النّفسيّة، حيث يعاني البعض من أمراض نفسيّة تؤدّي به إلى الانتحار؛ كالهوس، والانفصام، والاكتئاب الحادّ كما أن إدمان المخدّرات وتعاطيها، أسباب رئيسة.

جمعية معهد تضامن النساء الأردني “تضامن” علقت في بيانها على ارتفاع حالات الانتحار، وخاصة بين فئة النساء، التي وصلت إلى 19 حالة خلال النصف الأول من العام الجاري، الى أن “تداعيات جائحة كورونا والإجراءات الاحترازية المتخذة لمواجهتها ومن بينها حظر التجول والحجر المنزلي، شكلت نقطة تحول رئيسية في حياة أفراد الجتمع ككل وفي حياة النساء والفتيات وصحتهن العامة والنفسية”.

وبحسب بيان “تضامن” فإن العديد من النساء والفتيات عانين من صعوبة الحصول أو الوصول الى خدمات الصحة الإنجابية والجنسية بسبب الحجر المنزلي، وعلى الرغم من إمكانية تواصلهن عبر الهاتف أو مواقع التواصل الاجتماعي أو التراسل الالكتروني، إلا أن تلبية هذه الخدمات والوصول اليها لم يكن كافياً ولا يخدم احتياجاتهن بالشكل المناسب.

ذلك أسهم في ارتفاع مستويات التوتر النفسي والقلق لدى النساء والفتيات بسبب الانقطاع عن التواصل الاجتماعي، وعدم قدرة الفتيات على الذهاب الى مدارسهن، وتراجعت تبعاً لذلك صحتهن العامة وصحتهن النفسية بشكل خاص.

النوايسة كذلك يرى أن ما يصيب بعض الأفراد من حالات نفسيّة مرضية مزمنة تفقدهم الرّغبة في الحياة والمتعة بها، وتُشعرهم بالقلق الدّائم، وما يزيد من حدّة المشكلة هو القدرة المحدودة على السّيطرة على هذا المسبّب، ومن أبرز الأسباب التي تشكّل حالةً نفسيّةً للشّخص الاعتداء الجنسيّ، والتّفكّك الأسريّ، والبطالة، والتي زادت نسبتها في الأردن مؤخراً بشكل ملحوظ، وصلت إلى ما يقارب 25 % من نسبة السكان. زاد من حدتها كذلك تبعات جائحة كورونا التي أثرت بشكل كبير في العديد من القطاعات التجارية والمنشآت التجارية، وخاصة لصغار التجار في بعض الأحيان، أثر ذلك في عائلاتهم ونفسياتهم فيما بعد.

لذلك، يؤكد النوايسة أن الثقافة التربوية لدى الأسرة وتعزيز المفاهيم السليمة والتحمل والصبر والحرص على تعزيز الوازع الدّيني والأخلاقي لدى الابناء، هو من أولويات حماية أفراد المجتمع من التفكير بالانتحار أو محاولة الانتحار الحقيقية، والتي تفضي إلى الموت.

كل تلك الظروف على اختلاف مسمياتها تصب تبعاتها في النهاية على هيئة تراكمات نفسية هي من يحرك مشاعر الإنسان نحو الثبات والرضا، أو اختيار التخلص من تلك الضغوط عن طريق اللجوء للانتحار، وهذا ما يؤكده اختصاصي الفلسفة والصحة النفسية الدكتور احمد عيد الشخانبة، مشيراً إلى أنه من المتعارف عليه أن الاكتئاب هو سبب أساسي للانتحار، إذ تُظهر الدراسات النفسية أن 90 % من المنتحرين هم من مصابي الاكتئاب.

لذلك، فإن الاكتئاب يعتبر الدافع النفسي للانتحار، وفق الشخانبة، خاصةً في هذه الأيام التي شهدت تبعات متتالية لجائحة كورونا بكل تفاصيلها، عدا عن فقدان أفراد جراء المرض، وضياع فرص العمل والقلق على المستقبل وجدية الإجراءات التي تتخذها الحكومات في التصدي لتلك التبعات المرهقة. وهذا أمر طبيعي بأن يشعر الناس بالقلق والاكتئاب، وقد يفقد الكثير من الناس الأمل وتسود حالة التشاؤم في أن يحدث تغيير أو العودة لما كانت عليه الحياة سابقاً، وهذا يقود إلى اليأس ومن ثم الانتحار، وهذا يفسر زيادة أعداد حالات الانتحار في العام الحالي والعام الذي قبله 2020.

وفيما يتعلق بزيادة أعداد حالات الانتحار لدى النساء، يؤكد الشخانبة أنه من المعروف أن النساء أكثر عرضة للاكتئاب من الذكور، ولكن الإناث عادةً تميل إلى استخدام طرق أقل عنف للانتحار، قد تتمثل في تناول الأدوية، والغرق، فيما يميل الرجل إلى استخدام أدوات حادة أو رمي أنفسهم من أماكن مرتفعة، كما ظهر في عدة حالات مماثلة في الاردن في الأشهر القليلة الماضية.

ويعتقد الشخانبة أنه من المهم جداً أن نعمل على إيجاد طرق تحد من هذا التزايد في حالات الإنتحار، حتى لا يزداد الأمر سوءا أكثر من ذلك، إذ إن فرض العدالة وتحسين الظروف المعيشية للأفراد، ومحاولة توفير فرص عمل مناسبة لمن فقدوا فرصهم بما يضمن لهم حياة كريمة، وتوفير الدعم الاجتماعي والأسري، كما في الجمعيات والمراكز التي تقدم الاستشارات النفسية والاسرية، والدعم العائلي، من شأنه أن يعزز الإيجابية في النفس، وبالتالي تجنب فكرة الانتحار بأي شكل من الأشكال، مشدداً كذلك على أهمية تنمية الوازع الديني لدى الأفراد.

ويرى اختصاصي علم الاجتماع الدكتور محمد جريبيع أن هناك بيئة حاضنة لهده الحالات ومجموعة من العوامل التي تسهم بالانتحار، ما بين سياسية واقتصادية واجتماعية، ويصل الإنسان إلى هذا الحد من التفكير.

ووفق جريبيع، فإن العوامل الاجتماعية بكل تفاصيلها تُشكل حاضنة لمن يصل تفكيره إلى الانتحار، وفي المجتمعات العربية لا يتم اعطاء الصحة النفسية ذلك الاهتمام الكافي في الرعاية، كما في الرعاية الصحية والجسدية، وبالتالي بمعنى أن أي شخص يبادر للطبيب في حال شعر بأي مرض، بينما هناك إهمال كبير بالحالة النفسية، والانتحار أحد تلك النتائج، وأحد الظواهر التي تدل على هذا “الاهمال”.

لذلك، يعتقد جريبيع ان أكثر فئة ميلاً للانتحار، كما تُظهر الدراسات، هم الشباب، أي الفئة التي تكون في سن العطاء، لذلك يكون الانتحار وسيلة لإظهار العجر الذي يشعر به الشخص، أو حاله مرضية تقوده لذلك.

من هنا، فإن هذا القرار الذي يتخذه الإنسان للتخلص من الحياة هو شعوره بأنه يتخلص من مشاكله برمتها، وهو على علم يقين بأن الموت هو النتيجة الحتمية.

ولا ينكر جريبيع أهمية الدور الذي يجب ان يقوم به المجتمع في حماية الإنسان من مصيدة الانتحار، من خلال وسائل الإعلام، ووجود حاضنة للشباب داعمة لأفكارهم الإيجابية، وتعزيز ضرورة الاهتمام بالصحة النفسية، ومنظومة الأخلاق الدينية والاجتماعية، وعلى الأسرة أن تكون داعمة للشخص وعلى درجة كبيرة من الوعي والإدراك لكافة الظروف التي تحيط بابنائها.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock