حياتنامنوعات

تتعمق في التفاصيل وتكره الأماكن الصاخبة.. كيف تعرف أنك شخص “مفرط الحساسية”؟

الغد– إذا كنت تشعر دوما بالغربة بين الآخرين، وتوصم بأنك شخص خجول، أو انطوائي، وتزعجك كثيرا أخبار الحروب والنزاعات، وتسبب لك مشاهد العنف في الأفلام حالة من التوتر، وتجد الحفلات الصاخبة جحيما لا يطاق، إذا كانت هذه الحالات تعبر عنك، فربما أنت ضمن 20% من سكان العالم ممن يتسمون بالحساسية المفرطة (Highly sensitive person) (HSP).

ترتبط هذه السمة بفرط حساسية الجهاز العصبي، فالشخص مفرط الحساسية هو شخص يمر بدرجات عالية من المعالجة الحسية والاستجابات الحادة تجاه المؤثرات المختلفة، والتي تشمل: المؤثرات الخارجية، مثل ما يحيط بك من أصوات وأضواء وأشخاص آخرين، أو المؤثرات الداخلية مثل مشاعرك وأفكارك، وذلك نتيجة اختلاف تكوين جهازه العصبي.

وفي بحث أُجري عام 2014 بجامعة ستوني بروك كما نقلت موقع ” ميدان”، وُجد أن الأجزاء المرتبطة بالوعي والعاطفة في الدماغ يتدفق إليها الدم بشكل أكبر لدى الأشخاص مفرطي الحساسية مقارنة بغيرهم. ومن ضمن هذه الأجزاء، الجزء المعروف بالنظام العصبي المرآتي وهو الجزء المرتبط بشدة بالاستجابة التعاطفية، وهو دليل مادي على أن عقولهم تستجيب بدرجة أعلى للمواقف الاجتماعية المثيرة للعواطف.

ودرس العلماء صفات فرط الحساسية في البشر والحيوان على مدار أكثر من 20 عاما، وقد لخصوا الخبرات المشتركة بين الأشخاص مفرطي الحساسية في عدد من السمات المشتركة، اختارت الدكتورة آيلين آرون التركيز على أربع منها في كتابها الأكثر مبيعا “الشخص مفرط الحساسية: كيف تنجو من ظروف العالم الصعبة”:

* معالجة الأمور بتعمق: يعالج الأشخاص مفرطو الحساسية كل شيء بشكل أعمق، سواء المعلومات أو المشاعر أو الخبرات، ويربطون بينها وبين ما سبق أن تعرضوا له ويقارنون بينهما، ويفحصون الأمور من جميع الجوانب، وهو ما يجعل حدسهم قويا.

* فرط التحفيز وسرعة الإثارة: قد ينزعجون بشدة من الزحام أو الأصوات العالية أو الأضواء البراقة أو المواقف العاطفية وهو ما يجعلهم مفرطي الاستجابة تجاه هذه التحفيزات.

* الاستجابة العاطفية: في دراسة أُجريت على مجموعة من الأشخاص مفرطي الحساسية وغيرهم، تعرضوا فيها لمشاهدة مجموعة من الصور ﻷشخاص يعبرون عن مشاعر مختلفة مثل الحزن والسعادة وغيرها، أظهر الأشخاص مفرطو الحساسية نشاطا أكبر في منطقة الخلايا العصبية المرآتية ومنطقة الإنسولا. فعندما نشاهد شخصا ما يقوم بعمل ما أو يمر بعاطفة ما فإن هذه الخلايا العصبية تتحفز كتحفز الخلايا العصبية لدى الشخص الآخر. بعبارة أخرى فإن الشخص مفرط الحساسية لا يعرف فقط ما يشعر به الآخرون، وإنما يشعر بما يشعرون به.

* الوعي بالتفاصيل الدقيقة: يتفاعل مفرطو الحساسية مع التفاصيل الدقيقة التي قد تمر على الآخرين ويتميزون بوعيهم الشديد تجاهها. فعلى سبيل المثال عندما يحادثون شخصا ما، لا تُبنى ردودهم على ما يقوله الآخر فقط، وإنما على الإشارات الجسدية وغير اللفظية الدقيقة، والتي قد لا يدركها الآخرون.(3) (4)

كيف تميز الأشخاص مفرطي الحساسية؟
طبقا لهذه السمات الأربعة، يتميز الأشخاص مفرطو الحساسية ببعض الصفات التي يمكنك تمييزهم من خلالها، ومن بين هذه الصفات:

* يمقتون جميع أشكال العنف والقسوة: أغلب الناس يكرهون العنف والقسوة، لكنّ مفرطي الحساسية يجدون صعوبة كبيرة في مشاهدة أو سماع الأمور المرتبطة بالعنف. فهم على سبيل المثال يمقتون المشاهد الدامية أو العنيفة في الأفلام والنشرات الإخبارية.

* الإرهاق العاطفي المرتبط باستيعابهم لمشاعر الآخرين: يستطيع الشخص مفرط الحساسية استيعاب مشاعر من حوله بدرجة كبيرة، فهو يشبه الإسفنجة القادرة على امتصاص جميع المؤثرات المحيطة. وقد يتمكن من تمييز مزاج الأشخاص المحيطين به بمجرد دخوله إلى المكان، يرجع ذلك لوعيه الحاد بالتفاصيل الدقيقة الكاشفة مثل: تعبيرات الوجوه، ونبرة الصوت، وتعابير الجسد التي قد يفوّتها الآخرون دون أن ينتبهوا لها. ومع طبيعته المتعاطفة التي تؤهله للشعور بالآخرين، فإنه يعاني عادة من الإجهاد العاطفي المتكرر.

* ينسحبون بعيدا عن الجموع: إن وجودهم في مكان مزدحم أو تحت إضاءة قوية أو ضوضاء صاخبة قد يرهق جهازهم العصبي الحساس، وهو ما يجعل الحفلات والمناسبات الاجتماعية المزدحمة جحيما لا يطاق بالنسبة لهم، مما يجعلهم بحاجة إلى الانسحاب من وقت إلى آخر بعيدا عن تلك المُثيرات، وطلبا لبعض الراحة.

* يجفلون بسهولة: إذا وضع أحدهم يده على ظهر شخص مفرط الحساسية أو سمع صوتا عاليا مفاجئا فربما يقفز في الهواء. نظرا لحساسية جهازهم العصبي للمثيرات، فإن ردود أفعالهم في هذه المواقف قد تكون حادة ومبالغا فيها من وجهة نظر الآخرين.

* يغرقون في التفكير العميق: يميل مفرطو الحساسية لمعالجة الخبرات والمعلومات بعمق، وهو ما يجعلهم يغرقون في دوامات من التفكير العميق، ويعيدون التفكير في المواقف مرات تلو مرات. كما يطرحون تساؤلات عميقة حول الكون والعالم من حولهم.

* يتأثرون بما يرتدونه من الملابس: قد تُثير بعض أنواع الأقمشة الخشنة تحسسهم، كما قد تزعجهم الملابس الضيقة غير المريحة.

* قدراتهم على تحمل الألم أقل: نظرا لحساسيتهم الشديدة، فإن قدرتهم على احتمال الألم الجسدي أقل من غيرهم.

* لا يحبون التغيير ولا يستطيعون التكيف معه بسهولة: يفضل الأشخاص مفرطو الحساسية وجود روتين يومي ثابت، حيث يجنبهم هذا التعرض للمزيد من المؤثرات الجديدة، لذلك يصيبهم التغيير بالتوتر. وعليه، فإنهم لا يشعرون بالراحة أثناء السفر، فبينما قد يُشكّل السفر لمدينة ساحلية إجازة لطيفة، فإنه قد يُشكّل لهم ضغطا كبيرا في مواجهة مثيرات جديدة.

* أغلبهم حساس تجاه المنبهات: نظرا لحساسيتهم الطبيعية تجاه المحفزات فإن مشروبات مثل الكافيين والكحول قد ترهق جهازهم العصبي الحساس بطبيعته، إلا إذا اعتادوا على تناولها.

نعمة أم نقمة؟
إن فرط الحساسية سمة شخصية، ليست مرضا يحتاج إلى العلاج منه، بل قد تُشكّل ميزة مهمة إذا أحسن الفرد ومن حوله التعامل معها. فعلى الجانب الإيجابي، يمتلك الأشخاص ذوو الحساسية المفرطة حدسا قويا يجعلهم من أصحاب الرؤى والبصائر القوية، وذلك نظرا لقدرتهم على ملاحظة ما لا يلاحظه الآخرون من تفاصيل دقيقة، وما يحدث عقب ذلك من معالجة عميقة ومتفردة تُمكّنهم من الربط بين أحداث الماضي والحاضر وتوقع النتائج المترتبة على المقدمات. بالإضافة إلى حسهم التعاطفي الذي يُمكّنهم من فهم احتياجات الآخرين، لذلك يصبح الكثير منهم فنانين وكُتّابا ومعالجين نفسيين ومبدعين.

لكنهم على الجانب السلبي، يعانون من الإنهاك الشديد الناتج عن استجابتهم الحادة للمثيرات التي تعتبر عادية بالنسبة للآخرين، إلا أنها تسبب لهم نوعا من الانغلاق النفسي، فيما يُعرف باسم التثبيط التجاوزي، وهو نوع من التثبيط الخلقي الذي يتطور مع الإثارة الطويلة للجهاز العصبي تحت إشارات شديدة القوة، حيث يبدأ رد الفعل المنعكس المشروط في الانخفاض رغم زيادة القوة، خارقا بذلك قانون القوة (كلما كانت الإشارة أقوى كان رد الفعل الانعكاسي أقوى)، وذلك ﻷن الخلايا العصبية لديها حد معين من قابلية التشغيل، وفي حالة التعرض ﻹثارة زائدة عن هذا الحد تتوقف الخلايا العصبية مما يحميها من الإرهاق، وهو ما يجعل الأشخاص مفرطي الحساسية يحتاجون إلى قضاء أوقات بمفردهم منعزلين عن الآخرين وعن المؤثرات الحسية المحيطة.

وطبقا للدكتور تيد زيف، أخصائي علم النفس ومؤلف كتاب “دليل الشخص مفرط الحساسية للنجاة”، فإن فرط الحساسية يعني أن تواجه العالم غير المتسامح دون درع يحميك، وهو ما قد يؤدي بك إلى مواجهة أوقات صعبة. فنحن نتأثر بطبيعة الحال بطبيعة التربية التي تلقيناها صغارا، والطريقة التي استقبل بها الآخرون صفاتها.

بعض الأطفال يولدون بصفة الحساسية المفرطة، لكنها تذبل بمرور الوقت وفق ما يتعرضون له من ضغوط أسرية قد تعيب سلوكهم. فالعناية بطفل مفرط الحساسية تحتاج إلى درجة عالية من الوعي للتعامل مع نظامه العصبي مفرط النشاط، وإذا تعاملت الأسرة مع هذا الطفل بذكاء سينمو ويزدهر في مجتمعه بما يمتلكه من تعاطف طبيعي، أما إذا واجه ممن حوله عبارات مثبطة مثل “تماسك” أو “كفّ عن البكاء” فسيشعر أن به أمرا ما غير طبيعي أو خاطئ، وهو ما قد يدفع به نحو القلق والاكتئاب والتحسس تجاه النقد.

العالم بحاجة إلى مرهفي الحس
يستطيع مفرطو الحساسية رؤية ظلال من العواطف التي لا يتمكن أحد من رؤيتها ويستخدمونها لإثراء العالم: إذا كنت تعتقد أنك لا تعرف أشخاصا مفرطي الحساسية فيبدو أنك مخطئ، ربما تكون أغلب أغنياتك أو لوحاتك المفضلة قد صنعها فنانون يتمتعون بصفات فرط الحساسية. فلدى الأشخاص مفرطي الحساسية موهبة خاصة في التقاط دقائق عالم المشاعر والأحلام وتقطيرها واستخلاص لحظات خاصة ومدهشة للآخرين. كما يقدم مفرطو الحساسية نموذج إدارة تعاونيا مميزا، إذ يميل أغلب الأشخاص مفرطي الحساسية لكراهية الطابع القاسي الذي يتسم به عالم الأعمال، لكن بعضهم يحاول تغييره.

فإذا كان مديرك مفرط الحساسية فأنت محظوظ بلا شك، لدى مفرطي الحساسية قدرة على الاستماع لأفراد فريقهم، ويهتمون بالتعبير عن الدوافع وراء قراراتهم، ويهتمون بمواطن القوة لدى أفراد فريقهم وبتفضيلاتهم. لديهم موهبة خاصة في تشجيع موظفيهم وبناء التوافق بينهم، كما يسمحون لهم بالتنفيس عما يزعجهم دون توبيخ. كما يساعدون من حولهم على معالجة مشاعرهم وفهمها، يلعب الشخص مفرط الحساسية دور المعالج النفسي بين أصدقائه، فلديه قدرة عالية على التعاطف مع الآخرين وفهم مشاعرهم ومساعدتهم على معالجتها وفهمها، وبالتالي إدراك احتياجاتهم والسعي لتلبيتها.

ما الذي يحتاج إليه الشخص مفرط الحساسية؟
إذا كنت شخصا مفرط الحساسية أو على علاقة بشخص مفرط الحساسية، فربما تحتاج إلى معرفة بعض الأمور البسيطة التي تساعد الأشخاص مفرطي الحساسية على التكيف:

1– إيقاع حياة أبطأ وأبسط: قد يستغرق الشخص مفرط الحساسية وقتا أطول في أداء المهام واتخاذ القرارات نظرا لاحتياجه إلى وقت أطول لمعالجة المعلومات بعمق كما أشرنا، فعلى سبيل المثال عندما يريد الشخص مفرط الحساسية شراء قالب من الشيكولاتة، فسيفكر في أمور عديدة مثل الحقائق الغذائية المتعلقة بقالب الشيكولاتة، ونسبة الكاكاو إلى اللبن، والسعر، وغيرها من الأمور، وربما يقوده تفكيره إلى التأمل في أحوال عمال مزارع الكاكاو حول العالم على سبيل المثال.

2– يحتاجون إلى وقت لاستعادة توازنهم بعد يوم حافل: يمتص الجهاز العصبي الحساس للشخص مفرط الحساسية الكثير من المعلومات ويعالجها بعمق، مما قد يتركه منهكا في نهاية يوم حافل، لذلك يحتاج إلى بعض الوقت للاسترخاء واستعادة قواه. ويُفضّل أن يفعل ذلك في مكان هادئ بإضاءة خافتة.

3– تقدير احتياجهم للتعبير عن مشاعرهم دون لوم: نظرا لحساسيتهم تجاه المؤثرات العاطفية فإن الأشخاص مفرطي الحساسية يميلون للتعبير عن مشاعرهم، وربما للبكاء أكثر من غيرهم، ويحتاجون إلى فعل ذلك دون أن يواجههم اللوم ممن حولهم.

4– يحتاجون إلى وقت للتكيف مع التغيير: يحتاج الأشخاص مفرطو الحساسية إلى وقت أطول للتكيف مع التغيرات والأمور الجديدة في حياتهم، حتى في حالة التغيرات الإيجابية مثل الانتقال لوظيفة أفضل أو بيت جديد أو بداية علاقة جديدة.

5– يفضلون العلاقات العميقة الحميمة: لا يُفضّل الأشخاص مفرطو الحساسية العلاقات السطحية، بل يحتاجون إلى التواصل العميق مع من حولهم، ويعملون على خلق محادثات عميقة ذات معنى سواء مع شركائهم أو أصدقائهم.

6– إدارة الصراعات بطريقة لطيفة وصحية: قد يشعر الشخص مفرط الحساسية بالضيق من أمر ما، لكنه لا يُعبّر عنه كي لا يغضب الطرف الآخر، ولا يعني هذا أنه شخص ضعيف، لكنه يتوتر من التحفيز الناتج عن حالة الغضب والصراع فيعمل على تجنبها قدر الإمكان، كما أنه غالبا ما يخشى أن يجرح من حوله، نظرا لقدرته العالية على التعاطف وإدراك مشاعر الآخرين، وهو ما يوقع الكثيرين من مفرطي الحساسية في فخ عدم التعبير عن احتياجاتهم.

7– يحتاجون إلى فترة كافية من النوم في الليل: كلنا قد نتأثر باضطرابات النوم، لكن الشخص مفرط الحساسية يحتاج إلى النوم في الليل لفترة كافية كي يهدأ عقله وجهازه العصبي ويمنحه الفرصة لمعالجة ما تعرض له من مؤثرات على مدار اليوم.

8– وجبات طعام مشبعة وجيدة على مدار اليوم: يفسد الشعور بالجوع مزاج الشخص مفرط الحساسية وقدرته على التركيز، نظرا لحساسيتهم الشديدة تجاه تغيرات مستوى السكر في الدم، وهو ما يجعله يغضب ويتوتر عندما يشعر بالجوع.

9– يحتاجون إلى وجود متنفس لجانبهم الإبداعي: أغلب الأشخاص مفرطي الحساسية لديهم طاقة إبداعية، فهم يوجهون مشاعرهم ورؤاهم وأفكارهم وعواطفهم للإبداع كمتنفس مهم، لذلك يمارس الكثيرون منهم الكتابة أو الرسم أو التأليف الموسيقي.

10- وجود شعور قوي بالدافع أو الهدف: لا يطيق الأشخاص مفرطو الحساسية الحياة دون وجود دافع أو هدف أو قضية يتحركون من أجلها، وتؤرقهم العديد من الأسئلة حول هدف الوجود في هذا العالم وكيف يمكنهم تغييره للأفضل.

11- الفهم والاحترام لطبيعتهم المختلفة: يحتاج الشخص مفرط الحساسية إلى أن يتعامل الأشخاص المقربون معه بتفهم واحترام لاختلاف طبيعته.

12– ممارسة أنشطة حركية خفيفة: على سبيل المثال التمشية، أو قيادة الدراجة، أو ممارسة اليوغا، كلها أنشطة تساعد على تنفيس طاقتهم الحركية دون تعريضهم للمزيد من الضغط أو التحفيز.

13– إجراء تبديلات بسيطة في المكان المحيط بهم: على سبيل المثال من الممكن أن يؤثر تبديل الإضاءة بشكل كبير على مزاجهم، جرب أن تستخدم مصدر إضاءة خافتا بدلا من الإضاءة الفلورسنت القوية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock