تحليل إقتصادي

تجار وخبراء يبدون تخوفهم من التسونامي التجاري التركي على السوق المحلية

تحليل اقتصادي

عمان-الغد– لا يخفي العديد من التجار والخبراء الاقتصاديين تخوفهم مما أسموه “التسونامي التجاري التركي” الذي يتوقع أن يجتاح السوق المحلي الأردني خلال سنوات معدودة.
وأبدى تجار وخبراء تخوفهم من تبعات ما اسموه “انفراد الحكومة” بالتوقيع على اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا قبل عام تقريبا، ويبدأ العمل بالاتفاقية خلال العام الحالي.
وكان وزير الصناعة والتجارة الأسبق عامر الحديدي وقع قبل عام تقريبا مع المسؤولين الأتراك اتفاقية تجارة حرة غير خاضعة لرسوم الجمارك وتشمل استيراد وتصدير البضائع بين الاردن وتركيا، بحيث تشمل جميع القطاعات الغذائية والصناعية والاقمشة الى ما دون ذلك من الصناعات التي يعتمد الاقتصاد المحلي عليها وتشكل عماد الصادرات الأردنية.
وتوقع التجار والخبراء أن يؤدي تطبيق بنود الاتفاقية إلى التأثير سلبا على مؤشرات الاقتصاد الاردني، في ظل مميزات الصناعات التركية، الأمر الذي يمكن أن يودي بتنافسية المنتجات المحلية مقارنة بالتركية، ويؤدي إلى زيادة البطالة وانكماش النمو.
  يشار إلى ان الاقتصاد التركي يحتل المركز السابع عشر على مستوى العالم والسابع على المستوى الاوروبي، وبلغ حجم الناتج المحلي الاجمالي لتركيا في العام الماضي نحو 724 بليون دولار، مقابل 27 بليون دولار للناتج المحلي الاجمالي الاردني، اي ان الناتج المحلي التركي يساوي 27 ضعف الناتج المحلي الأردني تقريبا.
الحكومة من جهتها، لا تشارك العديد من التجار والخبراء تخوفهم من تبعات تطبيق الاتفاقية التجارية بين عمان وانقرة، معتبرة أنه “من السابق لأوانه التكهن بنتائج الاتقاقية مع تركيا”، مشيرة إلى أنها بقانون حماية الانتاج الوطني كفيلة بالحؤول دون إلحاق اي ضرر باي جهة صناعية او تجارية في السوق المحلي.
وأوضحت الحكومة أنه تم قبيل التوقيع على الاتفاقية عقد جلسات مع ممثلين عن القطاع الخاص، وعليه تم تقسيم مراحل دخول الاتفاقية حيز التنفيذ بشكل نهائي وكامل إلى 3 مراحل.
وأشار رئيس جمعية تجار الأردن، هشام المفلح، إلى أن هذا “التسونامي التركي الذي سيكتسح جميع الاسواق من دون استثناء سيؤثر على الموجودات والاصول التي تعود لـ 15 ألف منشأة صناعية ومئات الآلاف من الدونمات الزراعية و1300 مقاول وقطاع الخدمات وشركات الطيران والنقل البري وقطاع الجهاز المصرفي وشركات عامة تقدر بـ 220 شركة، بالإضافة إلى الآلاف من الشركات الخاصة، ويلقي بالبلايين من مقدرات الاقتصاد الوطني الى ساحة الخردة مشردا بذلك آلاف الموظفين وعائلاتهم”.
وبين المفلح أن هناك 3 مراحل لبدء دخول هذه الاتفاقية حيز التنفيذ بهدف إعطاء الوقت للصناعات الوطنية من كلا البلدين للاستعداد والتكيف مع متغيرات السوق والمنافسة؛ حيث تبدأ المرحلة الأولى 2011-2014 وتشمل تخفيض الرسوم الجمركية لـ 192 سلعة من أهمها الإسمنت والأدوية والأقمشة، والمرحلة الثانية تبدأ من 2012-2017 وتشتمل على 1320 سلعة من أهمها الألبسة والأدوات الصحية ومواد البناء، أما بالنسبة للمرحلة الثالثة 2013-2018 وتحوي 254 سلعة من أهمها حديد التسليح والمصاعد والأدوات الزراعية.
وتساءل المفلح عن الدراسات التي قامت بها وزارة الصناعة والتجارة قبل الشروع بتوقيع هذه الاتفاقية؛ حيث ان التجربة المصرية والسورية وحتى التجربة السعودية، التي تعتبر اقتصاديا الأقوى على مستوى المنطقة، عانت وتذوقت العذاب من سياسة الإغراق للسلع التركية لأسواق هذه البلدان، وذلك في ظل الدعم الحكومي التركي للصناعات المختلفة بشكل يهدد الصناعات المحلية التي تعتبر قوية ومنافسة على مستوى المنطقة.
 وأضاف أنه “على سبيل المثال كان يباع طن الحديد التركي في مصر بـ 100 دولار أقل من السعر العالمي، الأمر الذي أدى بالعديد من المصانع المصرية إلى توقيف إنتاجها واتباعها سياسات التسريح للموظفين والتحول للتجارة بالحديد التركي”.
وعلى الصعيد السوري، بين المفلح أن قيمة الصادرات التركية إلى سورية تبلغ 1425 مليون دولار للعام 2009، فيما بلغت الصادرات السورية التي تتميز بالجودة العالية والأسعار المنافسة ما قيمته 328 مليون دولار فقط، الأمر الذي يشير إلى التفوق التركي الكاسح لهذه الأسواق القوية، متسائلا عما سيكون عليه الحال للسوق الأردني الذي هو أقل قوة من هذه الأسواق؛ حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين الأردن وتركيا للعام 2010 حسب الأرقام الرسمية ما قيمته 400 مليون دولار نصيب الاردن منها 38 مليونا فقط فكيف سيكون الحال عند فتح الاسواق واستغلال الامتيازات الجمركية؟
ونوه المفلح الى السياسات التركية باستغلال العلاقات التجارية الثنائية بين الدول حيث أول ما ستقوم به الشركات هو استثمار العلاقات التجارية بين الأردن ودول العالم من خلال إقامة تجارة وصناعة في المناطق الصناعية الحرة والخاصة للانفراد بالتصدير لهذه الدول باسم الأردن ونيابة عن القطاعات الاقتصادية الأردنية.
وقال المفلح “إنه لا يمكن التغاضي عن مؤشرات الاقتصاد التركي، الاحصاءات العامة للاقتصاد التركي، لا سيما وأن الاقتصاد التركي يعد السابع عشر على مستوى العالم والسابع على المستوى الأوروبي.
 وأوضح المفلح ان الناتج المحلي الاجمالي لتركيا بلغ 724 بليون دولار للعام 2010 مقابل 27 بليون دولار للناتج المحلي الاجمالي الاردني أي 27 ضعفا تقريبا.
 وبين أنه “بلغت مساهمة القطاع الزراعي التركي للعام 2010 ما مقداره 59.9 بليون دولار و155.9 بليون دولار للقطاع الصناعي، متسائلا كيف يمكن لاقتصادنا مواجهة هذا المارد التركي القادم؟”
وقال المفلح ان التوقعات تشير إلى بلوغ الناتج المحلي الاجمالي التركي للعام 2011 ما مقداره 815 بليون دولار، وبنمو مقداره
12.6 %، مبينا ان المكاسب التي سيحققها الاردن من هذه الاتفاقية تتركز على الاعفاء لتأشيرات الدخول الى تركيا، بالاضافة الى تجارة الشالات النسائية التي تعتبر رائدة في الاردن وما دون ذلك “الله يستر”.
وقال الخبير الاقتصادي، مازن مرجي، إن الخطوة التي قامت بها وزارة الصناعة والتجارة “خطوة فردية وغير مسؤولة حيث لم يتم دراسة الحيثيات والنتائج المترتبة على توقيع مثل هذه الاتفاقيات ومن دون الرجوع الى أصحاب العلاقة، وخصوصا من القطاع الخاص الذي “سيعاني الأمرين” عند البدء بتطبيق هذا التوجه على حد تعبيره.
وأضاف مرجي أن “المستفيد الأول والأخير من هذه الخطوة هم التجار والمصنعون الأتراك؛ حيث ان الجودة العالية والاسعار المنافسة وخدمات ما بعد البيع، بالاضافة الى الدعم الحكومي للصناعة الوطنية التركية كل هذه الامور لا يمكن منافستها في الصناعات المحلية التي ستندثر في ميدان الصناعات التركية سواء في السوق المحلية او السوق التركية”.
ودعا مرجي إلى ضرورة اتخاذ وزارة الصناعة والتجارة خطوات سريعة وفعالة للحد من هذا المد الصناعي القادم من دول تعتبر الاقوى على مستوى الصناعة والتسويق التجاري والقدرة على اكتساح العديد من الاسواق الأخرى القوية، فكيف الحال بالسوق الاردني الذي لا يتحمل أي صدمات جديدة!.
وطالب مرجي بإنشاء تجمع للصادرات الاردنية لاستغلال المنتجات المحلية وتقويتها من خلال انتهاج سياسة تسويقية عامة لهذا التجمع، بالاضافة إلى دعمها من خلال الاتفاقيات العالمية وعدم ترك المنتجين والمصنعين في مواجهة التحديات الاقتصادية الخارجية من دون أي دعم أو ارشاد.
وقال الخبير الاقتصادي، حسام عايش، إن المشكلة في هذا النوع من الاتفاقيات الثنائية هو عدم أخذ الحكومة بعين الاعتبار الفعاليات الاقتصادية المحلية ومحدودية رأس المال لديها؛ حيث ان توفر البضائع المستوردة والتي تتميز بجودة عالية واسعار منافسة بالاضافة الى طريقة التغليف تغري المستهلك الاردني وتدفعه لتفضيل مثل هذه السلع على مثيلاتها المصنعة محليا.
واشار عايش الى عدد من السلبيات التي تؤثر على الصناعات المحلية من حيث ثقافة الربح السريع لدى المصنعين والرغبة بتحقيق ارباح غير منطقية بالنسبة لنوع وجودة المنتج، بالاضافة الى وجود نوع من الشك لدى المستهلك الاردني بما يتعلق بالمنشأ وطبيعة التصنيع وخصوصا بما يتعلق بالصناعات الغذائية المحلية.
وطالب عايش وزارة الصناعة والتجارة باعلان ومناقشة اي اتفاقيات من شأنها التأثير على الصناعة المحلية قبل الشروع بتوقيعها والسماح للمصنعين المحليين بابداء وجهة نظرهم وتقديم تعديلات ومقترحات من شأنها حمايتهم من الضرر الممكن حدوثه والحد من الغزو الاقتصادي الخارجي وعليه دعم النمو الاقتصادي الأردني.
وقال رئيس جمعية المستثمرين اكرم كرمول ان الحكومة التركية تدعم صناعاتها المحلية ما سيؤدي الى إغراق السوق الاردني بالسلع المستوردة، والتي تباع بأقل من سعر التكلفة، بالاضافة الى الجودة العالية لهذه السلع باعتبار ان تركيا تتبع في صناعاتها المواصفات والمقاييس الأوروبية المعروفة بالدقة والاتقان.
وأضاف كرمول ان الوقت ما يزال سانحا لتعديل عدد من بنود الاتفاقية بما يصب في مصلحة السوق المحلية والمصنعين في القطاع الخاص الذين سيكونون الخاسر الاكبر في هذه العملية.
وقال نقيب تجار الألبسة والأقمشة، صلاح حميدان، ان الوضع الحالي للسوق الأردني لا يتحمل أي هزات لمنافسات قوية؛ حيث ان معدل العرض الحالي للمنتجات بشكل عام اكبر بكثير من معدلات الطلب، بالاضافة إلى نقص السيولة المالية لدى المستهلكين التي تآكلت بصورة ملحوظة بسبب الغلاء المتزايد.
وأضاف حميدان أن أي سلع جديدة تدخل السوق المحلي بأسعار منافسة ستلاقي رواجا كبيرا وإقبالا من قبل المستهلكين على حساب السلع المحلية، حيث ان تركيا تعتبر من الدول القوية في صناعاتها والمنافسة على المستوى العالمي وفتح السوق الاردني لها بامتيازات عديدة “سيدمر الصناعة المحلية” على حد تعبيره.
وأضاف حميدان ان النداءات والاعتراضات التي وجهها العديد من المصنعين والمنتجين المحليين منذ الاعلان عن هذه الاتفاقية لم تلاق آذانا صاغية من قبل وزارة الصناعة والتجارة وقوبلت بتبريرات غير واقعية ومرفوضة ولا بد من القائمين على هذه الاتفاقية مراجعتها حيث لا يمكن اعطاء امتيازات لدول اخرى على حساب المصنعين المحليين.   
وقال صاحب مصنع أغذية، سامي حمودة، ان المضي قدما بالاتفاقية الاردنية التركية سيؤدي الى “إهلاك” المنتجات المحلية؛ حيث ان المصانع الاردنية بمختلف مجالاتها لا يمكنها منافسة السلع التركية المعروفة عالميا بالجودة والاسعار المنافسة.
وأضاف حمودة ان ارتفاع اسعار المواد الاساسية المحلية وارتفاع كلف التصنيع والنقل سيجعل من مهمة المنافسة “مهمة مستحيلة”؛ حيث ان الحكومة التركية تدعم الصناعات المحلية لديها بما نسبته 20 %، وعليه فان السلع التركية ارخص بمعدل 20 % تقريبا من السلع العالمية وارخص تقريبا من السلع المحليه بنسبة 20-30 % مع الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع الكلف التصنيعية المحلية.
واشار حمودة الى الازمة التي ستسببها هذه الاتفاقية على التنافسية بين الصناعات المحلية، بالاضافة الى الاثر على معدلات البطالة التي ستزيد طرديا نتيجة اغلاق العديد من المصانع التي لا تتحمل مثل هذه المنافسة.
من جانبها، قالت الأمين العام لوزارة الصناعة والتجارة مها العلي “انه من السابق لأوانه التكهن بنتائج الانفتاح على الأسواق التركية؛ حيث من الطبيعي عند عقد اتفاقيات ثنائية مع دول قوية اقتصاديا ان يحدث نوع من الاغراق للسلع في السوق المحلي إلا ان قوانين حماية الانتاج الوطني تحول دون الحاق الضرر بأي جهة صناعية او تجارية في السوق المحلي”. وأشارت العلي الى انعقاد جلسات مع ممثلين عن القطاع الخاص قبيل الشروع بتوقيع الاتفاقية وعليه تم تقسيم مراحل دخول الاتفاقية حيز التنفيذ بشكل نهائي وكامل الى 3 مراحل بناء على المدخلات المقدمة من القطاع الخاص والتي من شأنها تحضير السوق المحلي وتطوير نوعية الانتاج لأغراض التصدير والمنافسة.
وأضافت العلي ان هنالك العديد من الفرص الاقتصادية التي تقدمها هذه الاتفاقية للاقتصاد الوطني حيث سيتم استغلالها من قبل العاملين في القطاعين العام والخاص ومن أهمها استخدام مدخلات الانتاج التركي الذي يتميز بالجودة والاسعار المنافسة لدخول الصناعات المحلية للأسواق الأوروبية الامر الذي سينعكس ايجابا على الاقتصاد الوطني من جهة وعلى السمعة الجيدة للصناعة الاردنية في الدول الأوروبية من جهة أخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock