أفكار ومواقف

تجربة “أوبر” و”كريم”

يعاني الأردن كثيرا من التغييرات في قطاع النقل العام وما يترتب على ذلك من كلف إضافية يتحملها الاقتصاد، وتنسحب مشاكل القطاع ليس على نقل الركاب فحسب، بل قطاع نقل البضائع والمشتقات النفطية، ولقد خبرت شخصيا العديد من المشاكل التي تظهر التعقيدات الهائلة في القطاع، والمشاكل التي تواكب الانتقال من نمط تقليدي الى نمط حديث يأخذ بعين الاعتبار المستجدات الاقتصادية والتطبيقات الحديثة، هذا الانتقال سيكون له للأسف كلف على الأرجح اجتماعية، ولكن له منافع اقتصادية، ومن الثابت ان التحول قادم لا محالة، والاستعدادات يجب ان تكون لإدارة التحول والتغيير وليس لمقاومة التغيير من قبل فئات قليلة مستفيدة من الوضع القائم.
في جزئية نقل الركاب، لم يتم تقديم حلول حقيقية لتخفيف الازمة التي تشتد بمرور الوقت في كافة انحاء المملكة، وما تزال الثقة بالاعتماد على وسائل النقل العام المنتظم في حدودها الدنيا، ولعل هذا يفسر الانتشار الكبير لوسائل النقل الفردية لمن “استطاع لذلك سبيلا”، في خضم كل ذلك قدمت التكنولوجيا حلولا متطورة تمثلت ببساطة بتوظيف بعض التطبيقات الالكترونية لتقديم حلول مرورية. وهذا التداخل جعل تصنيف بعض الخدمات مثل “أوبر” و”كريم” ملتبسا، وهذا الالتباس ساد حتى في أوروبا قبل ان يستقر الحال على اطار تشريعي يصنف هذا النوع من الخدمات حسب الخدمة النهائية وليس طبيعة التطبيق المعتمد.
ما يهمنا في التجربة هو بعض الآثار الايجابية التي خلصت اليها بعد انتظار طويل، مع العلم انه ما يزال هناك عدد من العقبات التي تقف في وجه التوسع في تلك الخدمة. في المقام الأول تم مقاومة تلك التجربة على كافة الصعد، سواء من داخل الحكومة او من القطاع الخاص المتضرر من دخول مقدم خدمة نقل جديد غير اعتيادي، واستمر البحث في الموضوع شهورا طويلة الى ان تم التوصل الى صيغة مقبولة تسمح بترخيص تلك الخدمة، والطريف ان العمل بتقديم الخدمة سبق التشريع، فأصبح الاطار القانوني متخلفا عن الخدمة التي سبقت البيروقراطية، ولعل هذا ما سرع أخيرا بتقنين العمل لما لا يقل عن عشرة آلاف معظمهم من الشباب.
الدرس الثاني يتمثل بالتغير السلوكي وطبيعة الخدمة التي يقدمها سائقو تلك الشركات، حيث ان وجود نظام واضح وصارم لتقييم الخدمة، وتطبيق الكتروني يسهل التواصل بين متلقي الخدمة والإدارة الرئيسية يجعل من التقييم مسألة مباشرة وسهلة انعكست إيجابيا على سلوك مقدمي الخدمة، وبات التعامل مع هذا النوع من الخدمة سهلا وقابلا للتقييم الفوري، وانعكس هذا النظام على مستوى الخدمات بشكل رئيسي. ويثبت هذا إمكانية تحسين سلوكيات العمل عندما يتوافر نظام للمتابعة والمراقبة ويحفز السلوك الجيد.
الدرس الثالث يتمثل بأن الاقبال على المواصلات العامة موجود اذا توفر بالشكل اللائق، في الادبيات الاقتصادية يسمى “الطلب الكامن”، ومع تطور الخدمة، ظهر هذا الطلب الذي كشف أيضا العديد من عورات نظام النقل السائد الذي عجز عن تلبية ذلك الطلب المتنوع والمتجدد.
ان تجربة ناجحة يقودها القطاع الخاص وتوظف التكنولوجيا وتسبق القطاع العام، تشير الى ضرورة فتح المزيد من الآفاق الاستثمارية التي تقدم حلولا للتخفيف من المعاناة، وتعزز التنافسية في قطاع ظل قائما لفترات طويلة على الاحتكار والتنظيم الشديد، نحو قطاع تنافسي يخدم أغراض التنمية ويعزز تنافسية الاقتصاد الأردني.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock