أفكار ومواقف

تجربة إذاعية أردنية ناجحة.. ولكن

رغم انتشار محطات الإذاعات الأردنية، الخاصة والعامة، بصورة واسعة منذ عدة سنوات، وحجزها حيزا مهما من اهتمام المستمع الأردني، يفوق بلا شك نسبة قراء الصحف الورقية والمجلات، إلا أن المتابع يلحظ أن العديد من هذه الإذاعات لم يطور تقاليد صحفية وقانونية صحيحة، فيما تبدو المنافسة الساخنة على المستمع والمعلن، هي المحرك الأساس لدى بعض هذه الإذاعات، بغض النظر عن الوسيلة أو البرنامج.
أكثر من 30 إذاعة محلية، أغلبها منوعة، تملأ الفضاء الأردني وتستقطب نسب استماع عالية بحسب دراسات مختلفة، ما يعكس أهمية العمل الإذاعي وقدرته على التأثير وصناعة الرأي العام، ناهيك عن البعد الاستثماري والجدوى الاقتصادية في الاستثمار في مثل هذه المشاريع، من ناحية حجم الإعلان التجاري المبثوث عبر هذا الفضاء.
ومنذ تأسيس هيئة الإعلام المرئي والمسموع العام 2003، بموجب قانون صدر العام 2002، منحت الهيئة تراخيص للبث الإذاعي للشركات الخاصة. وصنعت هذه الإذاعات، وخاصة بعض البرامج الشعبية فيها، نجوما يشار إليهم بالبنان، تمكنوا من تشكيل حالة إعلامية بارزة، لها حضور واضح لدى قطاعات شعبية عريضة، وباتت أصواتهم وبرامجهم رفيقة مشوار الصباح لأغلب المتوجهين لأعمالهم صباحا، أو العائدين منها مساء. 
وفيما تحفل وتحتشد الإذاعات المحلية بالبرامج المفيدة والمسلية، وتلك التي تسهم في التوعية والتثقيف حول العديد من القضايا، فإن المتابع لما يبث في هذا الفضاء الواسع، يلحظ أن بعض البرامج يتحلل من كل ضابط أخلاقي واجتماعي، بل ويقترب من “حكي الشوارع”، في محاولة لاستقطاب مراهقين أو شباب، فيما تجهد وأن تبحث عن مغزى ما يطرح في مثل هذه البرامج التي تبث مباشرة، فيعجزك البحث.
ثمة برامج ومذيعون تخجل وأنت تتابع ما يطرحونه أو يتحدثون به؛ حيث حجم السخرية المرتفع، وبلا أي مضمون. فيما يستمرئ البعض استخدام ألفاظ سوقية، أو إطلاق تعليقات وتوصيفات عنصرية، أو تحمل تمييزا فاضحا ضد المرأة أو هذه الشريحة الاجتماعية أو تلك. إسفاف و”سواليف” يعكسان، أول ما يعكسان، ضحالة ثقافة ووعي المذيع والقائمين على البرنامج، وربما إدارة الإذاعة ذاتها، التي تحرص فقط على جذب أكبر قدر ممكن من المستمعين، ولاحقا المعلنين والراعين الممولين لهذا البرنامج أو ذاك.
كذلك، يلفت انتباه المراقب لجوء العديد من الإذاعات المحلية الخاصة إلى خلط غير مهني أو قانوني بين المادة الصحفية أو الإخبارية وبين الإعلان التجاري، من دون أي إشارة أو توضيح للمستمع، بأن ما يبث في هذه الفقرة هو إعلان تجاري مدفوع الثمن، وأن ما يحويه يعبر عن وجهة نظر ومصلحة المعلن.
فبعض البرامج والفقرات الإذاعية يذهب إلى الترويج لسلعة أو خدمة ما، ضمن إعلان تجاري مدفوع، لكن من دون فصل وتوضيح لذلك، بل يأتي الإعلان مضمنا في خبر يفترض فيه الحياد والمهنية، كما تقتضي التقاليد الإعلامية والقانونية.
قد تكون هذه المشكلة والمخالفة موجودتين في الصحافة المطبوعة بصورة ما، لكنهما تبقيان محدودتين، فيما هما في عمل بعض الإذاعات الأردنية، وسيلة واضحة وفاضحة، حيث تبدو الإذاعة متحررة بالكامل من الالتزام بمثل هذه التقاليد والأعراف، والتي هي في النهاية حق للمستمع للإذاعة؛ بمعنى أن من حقه معرفة وتمييز المادة الإعلانية من الإخبارية أو الثقافية العامة.
حاصل القول أن الإذاعات المحلية التي غزت الفضاء الأردني بقوة منذ نحو عقد من الزمن، باتت عنصرا أساسيا في الإعلام الأردني، قد يفوق تأثيره في الرأي العام تأثير الصحافة الورقية والإلكترونية. ورغم الإيجابيات الكبيرة لهذه التجربة، فإن على أصحابها العمل جديا على تطوير تقاليد مهنية وقانونية وأخلاقية مهمة، تثري التجربة، وتعزز من نجاحها ومن قدرتها على التصاقها بالناس.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock