فكر وأديان

تجنبوا فخ زخرفة القول

أسامة شحادة

زخرفة القول كانت أول وسيلة اعتمدها إبليس اللعين لإخراج أبينا آدم وأمّنا حواء من الجنة عبر خداعهما، والكذب عليهما، كما قصّ علينا ربنا جل شأنه وسوسة الشيطان لهما وزخرفته للقول: “فوسْوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وُوري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكُما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملَكين أو تكونا من الخالدِين” (الأعراف: 20)، وتتابع شياطين الإنس والجن على انتهاج هذا المنهج الإبليسي بزخرفة القول لإضلال أهل الإيمان والحق عن سبيل الرحمن، ولذلك حذرنا الله عز وجل بكل صراحة ووضوح من هذا الفخ الشيطاني فقال في محكم تنزيله: “وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرفَ القول غُروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرْهم وما يفترون” (الأنعام: 112).
وفي زماننا هذا الذي يشهد يقظة وصحوة إسلامية مباركة تعددت وسائل أعداء الله والإسلام في حربهم، وكان أكثرها انتشاراً – مؤخراً – بث الشبهات حول الإسلام أو تحريف مفاهيمه وأحكامه أو محاولة العبث بأصوله المعرفية والاستدلالية أو بث الأراجيف حول سلامة الوحي وكيفية نقله عبر العصور أو نزع مطلق الحق عنه واعتباره –كغيره- وجهة نظر!!
ولأجل إبطال هذه الزخارف المغررة والأكاذيب المنمقة قام الشيخان الفاضلان د. عبدالله العجيري ود. فهد العجلان بتصنيف كتابٍ غاية في الروعة والأهمية بعنوان “زخرف القول” معالجة لأبرز المقولات المؤسِّسة للانحراف الفكري المعاصر” صدر عن مركز تكوين في أكثر من 300 صفحة.
الكتاب قام بتفنيد 40 فرية مزخرفة تضخّها بين المسلمين اليوم جهات مشبوهة وشخصيات فاسدة عبر المنابر الإعلامية والصحف السيارة ووسائط التواصل الاجتماعي، وبعضها قديم جداً وبعضها حديث، وتتباين مصادر صناعتها وافترائها بين الزنادقة أو المستشرقين والمبشرين فضلاً عن الملاحدة أو العلمانيين.
وتتميز هذه الفريات المزخرفة التي كشف عوارها الكتاب بأنها أفكار ومقولات واضحة وقصيرة ومختصرة وهي تأسيسية في نشر الباطل والانحراف المعاصر وذات انتشار وتأثير في المجتمع لكونها مجملة وبسبب الجهل وقلة العلم الشرعي ولكونها مزخرفة “إبليسيًا” تقدم للناس بدعوى كونها نصيحة لهم وهداية للاستقامة، كحال ثعلب أمير الشعراء أحمد شوقي:
برز الثعلبُ يوماً
في شعار الواعِظينا
فمشى في الأرضِ
يهذي ويسبُّ الماكرينا
ويقولُ : الحمدُ للــهِ
إلهِ العالمينا
يا عِباد الله، تُوبُوا
فهْوَ كهفُ التائبينا
ثم ختم قصيدته بقوله:
مخطئ من ظنّ يوماً
أَنّ للثعلبِ دِينا
وخطورة هذه الأفكار والمقولات التأسيسية تنبع من نتائجها الخبيثة التي يرغب الأبالسة بالوصول إليها، وهي تتلخص بأنها تسعى للعبث بمصادر تلقي الدين ومناهج الاستدلال الشرعي، ورفض وإنكار بعض الأصول والأحكام الإسلامية المحكمة، وترويج وترسيخ مفاهيم مناقضة لقطعيات وثوابت الإسلام، وتهون من الالتزام بالأحكام الشرعية وتهز الثقة واليقين بما جاء في القرآن والسنة.
يصعب استعراض كل الزخارف الفارغة التي أبطلها الكتاب في هذه المقالة ولذلك سأسرد بعض العناوين التي تناولها المؤلفان لتكشف عن سعة مجال البحث وأهمية مطالعته لشباب وشابات اليوم وكل راغب بتحصين نفسه من العزو الفكري المضلل في زمن العولمة والذي يمتلئ بالثعالب المراوغة.
من الشبهات التي فندها الكتاب: في القرآن كفاية عن السنة النبوية، ليست السنة النبوية كلها تشريعا للمسلمين، كيف نقبل كتب الحديث وقد دوّن متأخراً، تقديم المصلحة على النص، بالمساواة يتحقق العدل، الحرية مقدمة على تطبيق الشريعة، لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة، النص مقدس والفهم غير مقدس، العلمانية هي الحل، الدين ليس هشاً حتى يخاف عليه، ما هو البديل، الإيمان في القلب، الغلو نبتة سلفية.
هذا استعراض سريع لهذا الكتاب المهم في موضوعه ومضمونه والمهم في توقيته وزمانه والمتميز ببساطة اللغة ووضوح الفكرة، حيث عالج كثيرا من الوساوس والشبهات التي تصدم أجيال المسلمين، وهو كتاب لا يستغني عنه كل مريد للحق أزعجته الشكوك والوساوس، ويحتاجه كل معلم ومربٍّ وأب وأم ليثقف به نفسه وأبناءه وطلابه، فجزى الله خيراً مؤلفيه وناشريه وقارئيه.
وبالطبع؛ ما يزال المجال متاحا لأهل العلم والفضل للمساهمة بتفنيد الشُّبَه والزخارف الأخرى التي يلقي بها حزب إبليس اللعين ولم يتناولها هذا الكتاب.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock