رأي في حياتنا

تحت السيطرة!

نحن الأهالي مساكين فعلا! لأننا في أحوالنا وأساليب حياتنا والقوانين التي نضعها لها، على اختلافاتها المتناقضة ومرجعياتنا المتباينة، نعتقد بأننا مسيطرون على بناتنا وأولادنا ولو على نحو ما. هذه الفرضية القائمة على فكرة واحدة وهي السيطرة المسنودة بعامل القوة، ربما آن الأوان لنعيد التفكير بها، على كافة المستويات الفردية والجماعية الأسرية والمجتمعية والوطنية حتى.
الأخبار التي كنا نعتقد أنها استثناءات خارجة على المألوف، والتي تخص بناتنا وأولادنا والمتعلقة بخروجهم على دوائر السيطرة المرسومة بدقة، داخل المحيط الأسري، أصبحت متداولة ومكررة ومتشابهة كثيرا، رغم الاختلاف الكبير في ظروف تنشئة عناصرها.
فبعد أن اعتدنا على “حقيقة” واحدة ظننا أنها مسلمة ولا شذوذ عنها، تقول إن الانتفاح والمال السائب والتربية في مجتمعات متفككة، هي عوامل تربي نشئا متواكلا وفاشلا بالضرورة، كانت هناك أصوات غير مسموعة ترد على هذه الأفكار المعلبة لتؤكد عكس هذا الادعاء، سواء عبر نماذج ناجحة جدا ومشرفة خرجت من رحم تلك المجتمعات المحكوم عليها بالفساد المالي والأخلاقي هكذا بالعادة والتعود. أو عبر قصص تمرد شذت عن قاعدة السيطرة الكاملة في المجتمعات التي تسمي نفسها محافظة، وهي غالبا تربط التسمية بعوامل دينية بحتة، أو اقتصادية اجتماعية مطلقة.
تلك الأصوات التي كانت غير مسموعة في زمن ما، صار لها صوت وصورة أيضا بفضل الانفتاح التكنولوجي الذي طال كل شيء في حياتنا، حتى لم يعد هناك سر مخبى كما يقولون! وبالتالي صارت علة السيطرة على أبنائنا وبناتنا تشمل الجميع، رغم بقاء الكثير من الأفكار التي تصر على أن سيطرة الأهل القائمة على الانغلاق والمراقبة، ورسم حدود الحركة والتفكير والهيئة والتعبير، هي الطريق القويم في التربية والتنشئة الصالحة، طالما ستظل المجتمعات المنتفحة ماليا وحركيا وشكليا، تفرز جيلا سائبا ضائعا، حسب تقديرات الأهالي المحافظين.
مؤخرا انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي قصص شذت عن القواعد الموضوعة، ارتبطت بقرارات اتخذها أبناء وبنات مجتمعات مختلفة جذريا في كل شيء، وأهمها أنها تختلف في أشكال السيطرة الموضوعة فوق كل رأس من هؤلاء الأولاد، بحيث أنني متأكدة بأن أهاليهم هم شخصيا كانوا أول المصدومين من خروجهم على دوائر السيطرة، طبعا لأن الأهل بطبعهم ميالون دائما لتصديق أنفسهم والترويج لتجاربهم، قبل أن يصدقوا أولادهم ويروجوا لفكرة انصياعهم وخنوعهم الظاهر.
هذا الأمر عليه أن يعيدنا كأهال لنقطة المواجهة والشجاعة مع أنفسنا، لنسألها: هل فعلنا الصواب؟ هل كانت سيطرتنا كافية للحفاظ على الأولاد والبنات، حتى لو تباينت تلك السيطرة إلى حد النقيض؟
في العمل الدرامي الذي اقتبست منه عنوان المقال، تختصر الكاتبة الرائعة مريم نعوم كل تلك الأفكار المتلاطمة في موضوع السيطرة، تحت عنوان الإدمان على المخدرات كتجربة تصور الخروج على مناطق التحكم التي يلجأ إليها أبناؤنا، رغم الاختلاف الواضح في منطلقات تربيتهم وظروف تنشئتهم. وهي تضع المشاهد عبر أداء الممثلين في العمل، وعلى رأسهم الفنانة نيللي كريم، في مواجهة مع نفسه ليكون أبا أو أما أو أخا أو زوجا لإحدى تلك الحالات، ليكتشف بنفسه وربما بأسف شديد، كيف تتقاطع قصص العمل وظروف أبطاله مع قصصه وقصص أناس يعرفهم ويعتقد أنهم فعلا ناجحون في إرساء قواعد السيطرة على أولادهم. فحتى لو لم تكن القضية لها علاقة بالمخدرات والهروب إليها، لكن الفكرة العامة “الهروب” تتأكد كل نهار رغم حالات الاستنكار من الأهالي، وهي أن لا أحد اليوم ينفع أن يكون تحت السيطرة تماما مهما حاولنا. وأن عدونا الحقيقي ليس الحواضن المسلحة المتطرفة والبؤر المجتمعية المنفلتة، والتي نخاف على بناتنا وأولادنا منها كعوامل جذب، بل العدو منا وفينا، في رؤوسنا ومفاهيمنا التي لا تتغير وكأنها أعراف، والتي علينا أن نعترف أن جزءا منها تتحمل مهمة التطفيش!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock