أفكار ومواقف

تحت سقف الدولة

هي مناسبة، في ظل اقتراب رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز من انهاء جدول لقاءاته مع فعاليات المحافظات ومناقشاته حول منظومة الإصلاح المنشود، مناسبة للتأكيد على أهمية إنجاز إصلاح حقيقي بحيث لا نخرج لاحقا بجعبة فارغة أو طواحين هواء، أو جدل عقيم أو توصيات مركونة على الرف، فتجاربنا السابقة براهين مؤكدة.
في هذا الظرف لا نمتلك ترف الوقت، فالأمور بدأت تضغط أكثر والمستجدات والتحولات العميقة في المجتمع ظاهرة للعيان، لذا بات علينا الابتعاد عن تجميل الشعارات والاختباء خلف ابهامنا وعدم رؤية الواقع، واختيار أشخاص لديهم قدرة ومكانة وكفاءة لتقديم رؤية إصلاحية جامعة يلتف السواد الأعظم حولها، وعدم تدوير اسماء معروفة للجميع، تاريخها لا ينبئ برؤية إصلاحية، وإقرار قانون انتخاب غير اشكالي يعيد الهيبة لمجلس النواب، يترافق ذاك مع عدم العبث بإرادة الناخبين تحت أي سبب كان ومن أي جهة كانت.
وفي هذا الصدد علينا رصد التحولات المجتمعية، والتفكير فيها وتحليل مراميها، إذ لا يكفي اصدار بيانات مناهضة لأي ظاهرة جديدة، وانما التفكير بعقل بارد ورصد تبعاتها، والبحث عن السبب الذي يجهل بعض من حضنتهم الدولة ودللتهم وصرفت عليهم وقدمتهم يصطفون خلف مواقف عنترية وشعارات مفرغة من محتواها تريد اعادتنا للمربع الأول قبل نشوء الدولة، وتستحضر فينا عصبيات من المفترض أننا قطعنا شوطا كبيرا في ازاحتها من المشهد السياسي العام.
فالأردن وعبر المائة سنة الماضية، أسس لفكرة الدولة الدستورية، رغم عدم ممارستها وتلك فكرة أساسية لنشوء الدول التي تعتمد على دستور وقانون يحتكم له الجميع دون استثناء، وأفكار تنموية تؤسس للدولة الحديثة، قد نكون تراجعنا هنا أو تباطأنا هناك، وهو ما حصل، ولكننا في الأساس وضعنا دستورا مهما وأسسنا لفكرة الأحزاب، وعبر تاريخ البلاد ظهرت أحزاب معارضة ووطنية، اعيقت كثيرا وحوربت لسنوات ولكنها استطاعت البقاء.
ما الذي حصل؟، لماذا بتنا نرى من كنا نعتقد انهم يؤمنون بالدولة يذهبون ويصطفون خلف شعارت جهوية وأفكارا محافظة؟، ولماذا سمحنا لأطراف ومراكز قوى لعبت على وتر الشد عكسيا تعطيل نمونا؟.
الأكيد أن الأمور لم تذهب لنقطة البداية، وبقيت تدور في منطقة رمادية تبيض حينا وتسود أحيانا، ولكن دون أن يمس ذاك فكرة الدولة ونشوئها وتطورها، وصحيح، اننا لم نستثمر الكثير في الإصلاح ولم نقطع الشوط الكافي لبناء الدولة الحديثة وسمحنا لمحافظين وراديكاليين وأطراف كانت تدافع عن مصالحها في بناء فكر عقيم، الا ان ذاك لم يعن قطعا العودة للوراء أو لمرحلة ما قبل الدولة.
لا نريد شعارات، ولا أشخاصا استفادوا من الدولة ردحا من الزمن، وباتوا يشعرون اليوم ان استفادتهم قلت أو تراجعت فآثروا الذهاب باتجاهات مختلفة ورفعوا شعارات جهوية لا تستقيم مع فكرة الدولة، لا نريد لأولئك تشويه فكر البعض منا فيركضون خلف أصوات نشاز ولكنها رنانة تداعب وجدانهم وافكارهم.
الحقيقة الثابتة ان أي طرح يخلو من رؤية سياسية واضحة ويبتعد عن رؤية الدولة وبنائها ولا يعترف بالمجتمع المدني (احزاب، نقابات، جمعيات، نواب)، لا يستقيم مع التطور والسير للامام، وانما يريد أصحابه تهييج من يشتكي ظلما هنا أو هناك، أو حقا منقوصا، أو ارتفاع منسوب الفقر والبطالة للسير معه في أهدافه التي لا تلتقي مع فكرة الدولة، ومن ثم سيتركونهم على قارعة الطريق.
شخصيا اؤيد دوما سيادة الرأي والرأي الآخر، وأراني منحازا دوما للرأي الآخر، ولهذا اعتقد جازما أن أي رأي آخر يتوجب ان يتبنى رؤية سياسية واضحة هدفها بناء دولة مؤسسات وسيادة قانون، دولة عدالة وحرية ومواطنة كاملة غير منقوصة، وليست دولة تنتخي بعصبيات فرعية، فالاساس هو القانون وسيادته وتحقيق مبدأ العدالة، وليس البحث عن دور هنا أو هناك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock