أفكار ومواقف

تحدث بالعربية..!

تشاهد بعض محطات التلفزة العربية، فتسمع الكثيرين من الذين يظهرون في مقابلات هناك، من مختلف الفئات، وهم يستخدمون لغة هجينة، لا هي عربية ولا إنجليزية/ أو فرنسية. وليس الأمر أنهم يُدرجون في العبارات – مضطرين- مصطلحات علمية أو دالّات مفاهيمية ليست لها مُقابِلات في العربية، وإنما يُقحِمون المفردات الغريبة حيث لا تلزم. ويُذكّر هؤلاء بما رويَ عن الغراب الذي أعجبته مشية الحجل، فأراد تقليدها وفشل، وحاول أن يعود إلى مشيته فلم ينجح، فكان أقبح الطيور مشياً.
ليس من المفهوم أن تسخدم مفردات أجنبية وأنت تتحدث إلى جمهور عربي. بل إن الكثير من مستمعيك العرب، الذين يُفترض أنك تريد أن تخبرهم بشيء، لن يفهموا ما تقول وسيحتاجون إلى ترجمة. وكثيراً ما يُضطر مقدمو البرامج إلى تقديم هذه الترجمة الفورية حتى يساعدوا جمهورهم على فهم المحتوى.
للوهلة الأولى، قد يبدو هذا العرض مثيراً للإعجاب، إليكَ شخص مثقف وعارف، بدليل أنه يعرف جيداً لغة أجنبية وكيف يصف بها الأشياء ويعبر بها عن نفسه! لكنّ الآخر قد يرى أنّ هذا الشخص عاجز عن التعبير عن نفسه بلغته الأولى (ما لم يكن قد ولد ودرس وترعرع في بلد غير عربي). وهذا عيب أصلي. يندر أن تجد شخصاً غير عربي يعجز عن التعبير عن نفسه بلغته فيخلطها بلغة أخرى وهو يتحدث مع مواطنيه (ما لم يكن قد ولد وكبر في بلد يتحدث لغة أخرى). وعندما يتحدث أجنبي بالعربية، مثلاً، فمع تلفزيون عربي مثلاً، أو مع عربي لا يفهم اللغة الأجنبية. وسوف يفضل الجميع أن يتحدثوا بلغاتهم في بلدانهم – إذا كانوا يعتزون بقومياتهم وهوياتهم، ويحترمون ذواتهم بما هي.
تحدث العربي بلغة أجنبية حيث لا يلزم – ولو كان عالماً بها ويتحدث بها كأصحابها- هو محاولة نسبة المرء نفسه إلى ثقافة يعتقد أنها أرقى من ثقافته، بحيث يتوهم أنه يتميز بذلك عن مواطنيه (الجاهلين). وليت لذلك فائدة عملية! ذات مرة صحبتُ قريباً يحمل جواز سفر أميركيا إلى مكتب للسفر لمعالجة شأن يخص تذكرته. وعندما لم يتعاون الموظف في مكتب شركة الطيران الأوروبية، المحلي، تحول قريبي إلى التحدث بالإنجليزية ووضع على المائدة جوازه الأميركي، مستفيداً من فكرة أن الأميركي تحميه سفارته وتدعم قوة بلده حجته.
لكن الذي يتحدث الإنجليزية أو الفرنسية مع مواطنيه العرب لا يتمتع بمثل هذا الامتياز العملي. إنه قد يتحدث بالإنجليزية في مقابلة عمل تتطلب معرفة بلغة أجنبية – إذا طلب منه الذي يقابله أن يعرض معرفته باللغة المعنية. لكنه لن يحقق سطوة على مستمعيه باستخدام لغة هجينة إلا إذا كان هذا الجمهور سخيفاً أو “مضبوعاً” بفكرة تفوق الأجانب وأن “الإفرنجي برنجي”.
بل إن بعض الدول العربية لا تستطيع أن تتدبر أمورك اليومية فيها ما لم تتحدث لغة غير العربية. في كل العالم، يترتب على المهاجر أو المغترب الذي يأتي إلى بلد ليعمل أو يعيش فيه أن يتعلم لغته كشرط لبدء التكيف وتحقيق شيء. في أميركا لم يجعل ملايين المهاجرين المتحدثين بالإسبانية معرفتك بالإسبانية شرطاً لتمكنك من شراء شيء من متجر أو إعطاء عنوان وجهتك لسائق سيارة الأجرة. على الجميع هناك أن يتعلموا الإنجليزية، وليتحدثوا بلغاتهم في عائلاتهم أو جاليتهم. وكذلك الأمر في بلجيكا والصين أو البيرو، وهكذا.
وإذن، هل هانت الثقافة العربية على أهلها قبل غيرهم لكي “يتغرّب” العرب عن لغتهم وهم في أوطانهم هرباً من رأس عناوين هويتهم؟ وهل هذا هو الحل؟ لطالما كان الاتجاه الذي صنعه التيئيس الدؤوب للعرب هو “القفز من القارب”، على اعتبار أن النجاة الجماعية مستحيلة. وقد يكون من المفهوم أن يرى البعض النجاة في الهجرة أو الاغتراب المؤقت إلى أمكنة ربما تكون أرحب من حيث الحرية وأبواب الرزق. لكن تقمُّص هويات يراها المرء متفوقة وهو جالس في مكانه، وعن طريق استخدام لغاتها، هو اختيار الدخول في فصام ثقافي وتشويه الهوية فحسب.
ينبغي أن يكون استعمال لغة غير العربية في الأوطان العربية، حيث لا لزوم لمثل ذلك، علامة على تشوّه المتحدث وأدعى إلى التساؤل عن سويته وليس كدلالة على رقيه أو ثقافته أو معرفته. “اعرف نفسك” أولاً بما أنت، وتحدث عنها للناس بما يفهمون.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock