أفكار ومواقف

تحديات الحق والعدالة والمجانية في التعليم

داهمت الجائحة العالم من دون أن يكون قد استعد لها. ولكن الخطوات السريعة التي اتخذتها الدول من أجل التكيف، كشفت عن قدرة الإنسان الهائلة لاختراع أنماط حياة جديدة تتماشى مع التحديات المفروضة، وقد تتغلب عليها أحيانا.
في التعليم، كان التحول السريع من الأنموذج التقليدي إلى التعليم عن بعد خطوة مهمة حفظت الحق في التعليم للطلبة. في الأردن، سجلنا تجربة مهمة، رغم أنها لم تخضع حتى الآن للتقييم الحقيقي، أو ربما خضعت لمثل هذا التقييم، إلا أن المسؤولين يتحفظون على نتائجها، مثلما يسرّب بعض المطلعين.
اليوم، تعيش غالبية الطلبة تعليما عن بعد، بسبب تسجيل أعداد كبيرة من إصابات كورونا المحلية، اضطروا فيه إلى اختبار كثير من التحديات التي فرضت على العملية ككل، وبعضها فرض على مجتمعات أو بيئات أو طبقات دون غيرها، فيما صنف ثالث من التحديات فرض على فئات عمرية معينة.
في التحدي الأول، ما يزال التعليم عن بعد «عملية مائعة» لم تأخذ شكلها المطلوب أو اشتراطاتها الضرورية لكي تكون بديلا موضوعيا للتعليم الوجاهي الذي استتب على مدار عقود. الدروس تأتي مصورة، وأخطاء «مجانية» في الدروس كان يمكن تلافيها بقليل من الانتباه، بينما آليات التدريس عن بعد تكتنفها كثير من الإرباكات، أما المعلم، أو قائد عملية التعلم، فهو غائب عن المشهد، فمن يقوم بالعملية هو أشبه بالمؤدي رغم محاولات بعضهم لبث التفاعل الإيجابي في أدائه. المعلم لم يأخذ مكانه الحقيقي في هذه العملية، بل يبدو كما لو أننا نقصيه عن العملية بقصدية كبيرة لها امتداداتها السياسية غير المعلنة.
في الاختلالات الموجودة في هذه العملية، يتبدى بشكل واضح غياب العدالة في العملية كلها، فبينما يوجد طلبة لا تتوفر لهم سوى شاشات التلفزيون لتلقي دروسهم، هناك آخرون تتوفر لهم إضافة إلى ذلك، إمكانيات النفاذ إلى شبكة الإنترنت، سواء إلى «منصة درسك»، أو إلى العديد من المنصات والمواقع التعليمية المجانية أو المدفوعة التي تقدم تعليما جيدا، وعلى أيدي مدرسين متمرسين بالعملية منذ سنوات طويلة. وهناك صنف ثالث من الطلبة الذين تتوفر لهم جميع هذه الإمكانات إضافة إلى المدرسين الخاصين الذين تتم الاستعانة بهم في مثل هذه الظروف الاستثنائية.
المسألة لم تعد تتحدد، بالمركز والطرف فقط، بل دخلت العديد من العوامل المؤثرة في نوعية التعليم عن بعد، وفي المدى الذي يمكن للطالب تحصيله تبعا لمعدل دخل الأسرة، وبيئة الطالب، والأمية الرقمية، وأيضا الفجوة الرقمية. هذا هو التحدي الثاني الذي حكم مستوى استفادة الطالب من «السوق التعليمية» الموجودة اليوم في الأردن. استخدامي لمفردة «سوق» لا يجافي الصواب، فما هو حاصل اليوم هو أشبه بالسوق الكبيرة التي تعرض بضاعة مختلفة يمكن للزبائن اختيار ما يناسبهم منها.
التحدي الثالث، والذي ظهر جليا لدى كثير من العائلات، هو الخسائر التعليمية. ففي الوقت الذي خسر طلبة كل الصفوف، خلال العام الماضي، معارف مهمة كان يمكن تحصيليها في التعليم الوجاهي، كانت الضربة قاسية على الصفوف الأولى، والتي يؤكد الخبراء أن استفادتها من التعليم عن بعد ستكون في حدودها الدنيا، كونها تحتاج إلى تعليم وجاهي تفاعلي، ومعلم يقوم بدور المدرس والمرشد والميسر، من أجل التأسيس لعملية ستكون سهلة لو أنها تجري داخل غرفة صفية تقليدية، إلا أنه لا يمكن رسم محاكاة طبيعية لها في «الغرف الرقمية».
العام الحالي، تداركت وزارة التربية والتعليم هذا الأمر، وأقرت أن تعليم الصفوف الثلاثة الأولى ينبغي أن يكون وجاهيا. لكن، ماذا عن الطلبة الذين درسوا في العام الماضي، ألم يسجلوا خسائر تعليمية كبيرة ينبغي لنا أن نفكر بكيفية تعويضها؟!
في هذا السياق، لا بد من أن ننتبه إلى أن هناك طلبة بحاجة إلى تعلم مهارات قراءة وكتابة تمت خسارتها في العام الماضي، وينبغي لنا أن نحدد الجهة التي ستتحمل مسؤولية استدراك هذا الخلل؛ هل هي وزارة التربية والتعليم والمدارس، أم الأهل، أم أن المسؤولية تقع على عاتق الطرفين؟!

انتخابات 2020
21 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock