أفكار ومواقفرأي اقتصادي

تحدي التكنولوجيا المالية والتمويل الإسلامي

يتحدث العالم اليوم عن تسارع هائل في تكنولوجيا المعلومات وخاصة التكنولوجيا المالية (financial technology)، ومن المتوقع لها أن تنقل منظمات المال والأعمال إلى عالم جديد نتخلى فيه عن نطام التكنولوجيا المالية الحالية الى التكنولوجيا الرقمية، كما هو الحال الحديث عن تقنية البلوك شين (Blockchain) وظهور العملات الرقمية مثل عملة (Bitcoin ).
إذا نحن في الصناعة المصرفية الإسلامية في سباق مع الزمن لوضع منهاج للابتكارات المالية المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية ويطور من أدائها حتى لا نتفاجأ بحالة من الجمود وعدم القدرة على التقدم ومجاراة هذا التطور التكنولوجي المتسارع لقناعتنا أن أهمية التكنولوجيا المالية ودورها في الابتكار والإبداع في عصرنا هذا تكمن في سرعة وحجم التحولات في الاقتصاد العالمي والانتقال الى مراحل إنتاجية متطورة تمكنها من القدرة التنافسية مع مثيلاتها، وهنا لابد من الاعتماد على العنصر البشري باعتباره العامل المنظم للعملية الإنتاجية وما يمتلكه من بعد معرفي وإبداعي.
وأمامنا مهمة للعمل بجد على وضع استراتيجية هدفها الابتكار والتجديد والانتقال بالبحث العلمي وأدواته الى مستوى يواكب التطور العلمي والتكنولوجي والاستعداد للتعامل مع استحقاقات هذا الفضاء الرقمي، والعمل كذلك لتأسيس قاعدة معرفية وبحثية للمصرفية الإسلامية أينما وجدت، مبنية على الالتزام بأخلاقيات وأحكام الشريعة الإسلامية تتلاءم وتنسجم مع مستجدات الاقتصاد العالمي، وإعطاء أولوية استثنائية يكون الهدف منها تطوير الأفكار والفلسفة القائم عليها عمل قطاع المصارف الإسلامية ومؤسساته المالية حتى لا تشهد حالة من التباطؤ وعدم القدرة على التقدم بما يوافق التغيرات السريعة في الاقتصاد العالمي، ويكون لأدواتها التمويلية فاعلية في المساهمة في الاستقرار الاقتصادي العالمي.
ومن هذا المنطلق، فإننا نؤكد ضرورة تحول الصناعة المصرفية الإسلامية الى ابتكار أدوات مالية جديدة تؤدي الى تنويع الأدوات التمويلية ووسائل إدارتها، بهدف تحقيق الكفاءة في المنتجات المالية الإسلامية وتطويرها بما يتلاءم والاحتياجات المالية المتنوعة والمتجددة وإيجاد حلول لمشكلات التمويل غير المعتمدة على أسعار الفائدة ويواجه منافسة شديدة من نظام مصرفي يمتلك مئات السنين من الخبرة.
وأمام هذا الواقع، فإن قطاع الصناعة المصرفية الإسلامية يواجه تحديا ليس بالسهل، وعليه أن ينتقل لمرحلة أكثر جرأة في طرح مبتكرات جديدة ولا ينبغي لها أن تنتظر ماذا تطرح المصارف التقليدية من أدوات مالية جديدة حتى نطرح البديل لها إسلاميا، فهذا سوف يؤدي الى خنق الصناعة المصرفية الإسلامية وتراجع نموها مع الوقت.
لقد حان الوقت للمبادرة الجريئة في اختصار المسافة الزمنية بينها وبين المصارف التقليدبة بانتهاج سياسة الابتكار وتطبيقها في الواقع، وتحديد أسس موضوعية لمثل هذه الخطوة وتحديد كفاءة منتجاتها ومدى فعاليتها في إيجاد حلول تمويلية ملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية وانسجامها مع المعايير الشرعية التي تنظم أداءها، وحتى لا يسود الاعتقاد بأن الأدوات المالية الإسلامية المتبعة وُجدت كبديل للأدوات المالية التقليدية المعتمدة على سعر الفائدة ومحكاتها فقط، لكن حتى تكون قادرة على تغطية أوجه التمويل كافة في الاقتصاد الوطني عليها عدم الاكتفاء بطرح البديل بل يجب أن تبادر إلى وضع استراتيجية للابتكار وتطوير القائم لديها، لأن السعي لكسب المزيد من السوق المصرفية العالمية يتطلب ذلك، وأن تولي أهمية أكبر للبحث العلمي المتخصص في هذا المجال وترفع من كفاءة وفعالية الأدوات المالية الموجودة.
إننا على قناعة تامة بأن المصارف الإسلامية حتى ترتقي إلى ذلك وتتمكن من المنافسة على المستوى العالمي لابد لها من اختيار منهج الابتكار والتجديد وطرح أدوات مالية تناسب التقدم الاقتصادي الذي يشهده العالم وقادرة على أن تواجه مشاكله التمويلية مع الالتزام بأحكام وفلسفة الشريعة الإسلامية، مع إيماننا القوي بأن المصارف الإسلامية تمتلك عناصر القوة التي تؤهلها لذلك ولديها القدرة على الاستفادة من التطورات العلمية والتكنولوجية المتجددة والمتسارعة لتأكيد الدور المستقبلي للصناعة المالية الإسلامية، وتمسك بزمام المبادرة لتوجيه بوصلة المصرفية الإسلامية باتجاه المكانة العالمية التي تستحقها.

*باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock