أفكار ومواقف

تحدي المياه

د. محمد حسين المومني

تبدو الدولة بكامل أركانها، وبتوجيه حاسم من جلالة الملك، في مرحلة تكثيف التركيز على عدد من التحديات في العام 2022 من أبرزها تحدي المياه. لدينا تحديات أخرى سنأتيها لاحقا، لكن نقص المياه من التحديات المتنامية التي تشكل تهديدا مباشرا للأمن الإنساني للأردنيين، لا تحتمل التأخير وتؤثر على السلم المجتمعي.

لا حلول سهلة أو بلا سلبيات، فكل السياسات العامة وصناعة القرارات تمثل حرفة اختيار الطريق الذي يحقق أكبر منفعة ضمن أقل تكلفة، والحال كذلك في قراراتنا للتعامل مع فقرنا للمياه.

شأننا في حال تحدي المياه واضح، إننا ثاني أفقر دولة بالعالم بالمياه، والماء الذي قيل إنه موجود في الأعماق ويكفي لخمسمائة عام كلام على طريقة لا تقربوا الصلاة دون إكمال باقي الجملة، فتكلفة استخراج الماء العميق باهظة جدا، كما يؤكد غالبية خبراء المياه، وبالتالي لا بد من النظر بحلول أخرى أكثر منطقية.

حتى مشاريعنا الوطنية كالناقل الوطني وغيره، مشكلتها الأساسية بالتمويل اللازم لها، وهو مليارات الدنانير، لذلك فلا بد من خطة مالية وليس فقط فنية للتعامل مع نقص المياه.

هذا هو البعد الأول للمسألة، أما ثانيا، فتظهر جليا الحاجة لاشتباك دبلوماسي مع سورية وإسرائيل من أجل استكشاف الحلول الممكنة مع هذه الأطراف، وعلى قاعدة المنافع المتبادلة أو القانون الدولي الذي ينظم علاقات حقوق المياه بين الدول.

لا يعقل أن تستمر سورية بأخذ حقوقنا المائية ولا نحرك ساكنا تجاه ذلك، ولا يعقل ألا نستفيد من معاهدة السلام التي تؤطر لتعاون مطلوب في مجال المياه، كما لا بد من محاولة الحصول على دعم الأشقاء في الخليج والأصدقاء في أميركا وأوروبا لكي يساندونا في تمويل مشاريعنا المائية التي نحتاج.

الكلام الساذج عن إضاعتنا للمياه وتفريطنا بها، وأن ذلك تم ضمن مؤامرة محبوكة لكي نوقع اتفاقات مع إسرائيل والإمارات، كلام لا يسمن ولا يغني من جوع، فنحن دولة فقيرة مائيا بالمقاييس كافة، وازداد ذلك حدة بسبب شح الأمطار، ولذلك -وعلى مبدأ الحاجة أم الاختراع- فإننا من أفضل الدول في إدارة مواردنا المائية، ولدينا خيرة الخبراء والكفاءات المشهود لها عالميا.

يجب أن ندير هذا الملف بشكل حكيم وشجاعة تبتعد عن الشعبوية، والحكمة تتطلب أن تكون استراتيجيتنا الوطنية للمياه عابرة للحكومات، لا تخضع لأهواء كل وزير أو حكومة بمعزل عمن قبلها، تماما كما نفعل مع برنامج الإصلاح الهيكلي المالي الذي يحقق النجاحات ويسير بالأردن بالاتجاه الصحيح، وقد تسنى ذلك لأنه متوافق عليه دوليا وملتزم به عبر الحكومات.

كان لدينا أفضل الاستراتيجيات لقطاع المياه في الإقليم وعلى مستوى العالم، والتي أنفق الكثير لإعدادها، لكن شعبويات الوزراء والحكومات، وعقدة النقص في البحث عن بصمة، عبثت بهذه الاستراتيجة وإزاحتها عن أهدافها.

كامل ثقة الدولة السياسي يجب أن يوظف لكي نتعامل مع تحدي المياه، ولا يجب أن توقفنا الشعبويات السياسية من التعامل مع هذا التحدي الوطني الكبير، فواجب الدولة تأمين مصادر المياه، ومن يخضع هذا الملف لحسابات سياسية أو إيديولوجية لا يدرك خطورة ما يفعل.

المقال السابق للكاتب

حرب على الشعبوية في 2022

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock