ترجمات

تحذير بايدن لإيران ووكلائها: تداعيات الغارة على سورية

مايكل نايتس* – (معهد واشنطن) 26/2/2021

تؤكد الغارة الأميركية على سورية في 26 شباط (فبراير) إصرار واشنطن على أن الميليشيات الوكيلة لإيران هي التي نفذت هجوم إربيل، وأن الضربة جاءت في أعقاب شكوى أميركية وتحذير أُرسِل إلى الحكومة الإيرانية عبر الاتصالات السرية. ويُظهر هذا الاستخدام الأول للقوة من قبل الرئيس بايدن أن الولايات المتحدة ستستخدم الأداة العسكرية لاستعادة الردع حتى في الوقت الذي تستعد فيه لإجراء محادثات نووية مع طهران.
* * *
في الساعات الأولى من يوم 26 شباط (فبراير)، قصفت طائرةٌ أميركيةٌ قاعدةً سوريةً في ريف دير الزور الشرقي في شرق البلاد تستخدمها ميليشياتٌ عراقيةٌ مدعومةٌ من إيران. وجاءت الغارة رداً على الهجوم الصاروخي في 15 شباط (فبراير) الذي شُن على مطار أربيل الدولي، حيث توجد قاعدة رئيسية للتحالف بقيادة الولايات المتحدة. وتؤكّد الغارة على سورية الإصرار الأميركي على أنّ الميليشيات الوكيلة لإيران نفّذت هجوم إربيل، وأن الضربة جاءت في أعقاب شكوى أميركية وتحذير أُرسِل إلى الحكومة الإيرانية عبر الاتصالات السرية. وعلى الرغم من عدم الكشف عن التقييم الدقيق للأضرار، إلا أن هذا الاستخدام الأول للقوة من قبل الرئيس بايدن يُظهر أن الولايات المتحدة ستستخدم الأداة العسكرية لاستعادة الردع (وإن كان مؤقتاً) حتى في الوقت الذي تستعد فيه لإجراء محادثات نووية مع طهران.
الغارة على البوكمال
أظهرت العملية الجوية الأميركية في البوكمال، وهي منطقة سورية على الحدود العراقية، استخداماً دقيقاً للغاية ومضبوطاً للقوة. وتشكل المنطقة المستهدفة أهم حزام تجمُّع للميليشيات العراقية المدعومة من إيران في سورية، والتي تعرضت لضربات متكررة من قبل إسرائيل والولايات المتحدة (بشكل منفصل) منذ العام 2018. وتم استخدام هذه المنطقة -لا سيما القاعدة العسكرية التي بنتها إيران في “مجمع الإمام علي”- لتخزين الصواريخ الإيرانية، والطائرات بلا طيار، والمعدات الصناعية العسكرية اللازمة لصنعها وصيانتها.
وتم إلقاء سبع قنابل موجهة بالأقمار الصناعية تزن 500 رطل (حوالي 227 كغم)، بينما أُلغيت عملية إطلاق ذخائر أخرى مخطَّط لها لأسباب عملياتية. كما تم استهداف معبر حدوديّ مخصَّص للميليشيات ويؤدّي إلى “قاعدة الإمام علي”، وكذلك ست منشآت أسلحة داخل القاعدة، علماً بأنّ غياب الانفجارات الثانوية الكبيرة والواضحة يشير إلى عدم احتواء المواقع على ذخائر أو وقود أو متفجرات في ذلك الوقت. وأفادت قنوات الميليشيات العراقية بمقتل أحد العناصر وجرح عناصر آخرين عدة. وكما ورد في العديد من التعليقات الرسمية وغير العلنية من قبل مسؤولي الإدارة الأميركية، كان الهدف من الغارة أن يكون “دفاعياً” و”متناسباً” و”غير تصعيدي”.
وجاء ضرب الهدف في سورية -رداً على التعرُّض للاستفزاز في العراق- متعمداً وليس من دون سابقة. وفي هذا الصدد، صرّح وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن بأنّه “واثقٌ” من أنّ العملية الأميركية استهدفت “الميليشيات الشيعية نفسها التي نفّذت الضربات” في إربيل. ووفقاً لمصادر مختلفة، استهدفت الغارة ميليشيا كتائب حزب الله العراقية، التي وضعتها الولايات المتحدة على قائمة الإرهاب، ونظيرتها المقرَّبة “كتائب سيّد الشهداء”. وكان الإصرار الأميركي على أنّ هاتين الجماعتيْن المدعومتَين من إيران هما من ارتكبتا الاعتداء قد ارتكز على أدلة دامغة تم الكشف عنها من خلال التحقيق بعد هجوم إربيل. وكانت فائدة الضربات في سورية هي تقليل مخاطر حدوث انتكاسة سياسية في العراق، حيث قد ترد الميليشيات على الهجمات الداخلية بمحاولة ضرب السفارة الأميركية مرة أخرى، أو تؤدي التطورات إلى انهيار الحكومة، أو طرد المستشارين الأجانب.
تداعيات الغارة
رحّبَ المراقبون من الجانبين؛ المتشدد والمعتدل، في أوساط السياسة الخارجية الأميركية بالضربة بتحفّظ، بينما أعرب المراقبون في المنطقة عن ارتياحهم نظراً إلى الشكوك المُحيطة باستخدام بايدن للقوة ضدّ “شبكة التهديد الإيرانية” في هذه المرحلة المبكرة جداً من رئاسته. وعلاوة على ذلك، حرصت الإدارة الأميركية على ضمان عدم ارتداد هذا الاستخدام الأول للقوة سلباً من منظور الأضرار القانونية أو الجانبية.
إحدى الرسائل الأساسية التي تحملها الضربة هي أنّ الاستخدام الحكيم للوسيلة العسكرية يبقى ضمن مجموعة الأدوات الأميركية المتاحة أمام الإدارة الأميركية الديمقراطية الجديدة. فبعد أن هاجمت الميليشيات بوقاحة عاصمة إقليم كردستان العراق، وعرّضت الأميركيين للخطر وقتلت عراقياً واحداً وفلبينياً واحداً، لم يكن هناك تردد على المستوى الرئاسي الأميركي بشأن الرد، وإنما مجرد نقاش حول مكان وتاريخ الضربة. وسبق استخدام القوة إجراء مكالمة هاتفية بين بايدن ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في 23 شباط (فبراير)، مما يشير إلى التزام الولايات المتحدة العميق بحماية جهود بغداد المستمرة لتحقيق الاستقرار. وفي الواقع، عملت واشنطن عن كثب مع الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان خلال هذه الأزمة الصغيرة.
وأظهرَت الضربة أيضاً انتقال العديد من التحديات التي واجهتها إدارة ترامب في إيران والعراق وسورية إلى الإدارة الحالية، لذلك لا يوجد خيارٍ واقعيٍّ آخر سوى اللجوء إلى بعض الأدوات نفسها رداً على الهجمات التي تشنها الميليشيات. وستظل سورية مكاناً محتملاً لشن ضربات انتقامية مستقبلية على وكلاء إيران -وربما لشن هجمات في الاتجاه المعاكس أيضاً، بما في ذلك ضربات الميليشيات للقواعد الأميركية.
التداعيات السياسية
كانت الإدارة الأميركية تنوي إرسال رسالة واضحة إلى إيران ووكلائها مفادها بأنه لن يتم التسامح مع الهجمات على الأفراد الأميركيين. ففي حادثة أربيل، أطلقت الميليشيات أربعة وعشرين صاروخاً على قاعدةٍ أميركيةٍ قريبةٍ من مدينةٍ مكتظّةٍ بالسكّان. وكاد الهجوم يسفر عن وقوع العديد من القتلى الأميركيين وربما العشرات من الضحايا المدنيين. وبالتالي، نجت المفاوضات النووية المتوقَّعة بين الولايات المتحدة وإيران من اختبار الموت الوشيك أيضاً. وتحظى هذه المحادثات بأولوية قصوى للإدارة الأميركية، وشكّلَ استخدام القوة خطوة تصحيحيةً لإبقاء هذا الاحتمال حيّاً. ومع ذلك، صرح فريق بايدن علناً وأبلغ إيران بصورة غير علنية من خلال القنوات الخلفية بأن الهجمات على الأميركيين يجب أن تتوقف إذا أريد للمفاوضات بشأن تخفيف العقوبات والقضايا ذات الصلة أن تنجح.
وحالما يخفّ وقع الصدمة الناتجة عن استخدام بايدن للقوة في وقتٍ مبكرٍ، ستدرك إيران ووكلاؤها على الأرجح المزيد من الأمور: أن الضربة الأميركية كانت مُقيّدة عن قصد، هذه المرة على الأقل، وأنها كانت موجَّهة خارج العراق، وأنها لم تكن سوى نتيجة للهجوم المباشر وواسع النطاق على قاعدة أميركية. ويشير ذلك إلى أن الميليشيات ستختبر مجدداً المدى الذي سيصل إليه بايدن في خطواته في الأسابيع المقبلة -على الأرجح من خلال استهداف السعودية من العراق كما فعلت باستخدام الطائرات المسيّرة في 23 كانون الثاني (يناير) و 26 كانون الثاني (يناير)، وربما من خلال شن هجمات استقصائية أقل كثافة على المنشآت الأميركية أو بالقرب منها. وبالفعل، فإن الميليشيات التي ليس لديها أعداد كبيرة من الأفراد في سورية -مثل “عصائب أهل الحق” التي قادت التغطية الدعائية لهجوم أربيل -قد تصبح الآن أكثر جرأة، وربما تعتقد أنها في مأمن من الضربات الأميركية التي تُنفذ عبر الحدود بدلاً من تلك التي تُنفذ داخل البلاد. وبالمثل، قد تشعر طهران بالارتياح “للقتال حتى آخر عربي” إذا اعتقدت أن الانتقام الأميركي سيقع فقط على الميليشيات وليس ضد الحرس الثوري الإسلامي أو الأراضي الإيرانية. وإذا أصبحت الولايات المتحدة منخرطة بشدة أكبر في المحادثات المباشرة، فقد تستنتج طهران أنّ بإمكانها اختبار مدى استعداد واشنطن للتضحية بهذه العملية.
في الوقت الحالي، يجب أن تُركّز الإدارة الأميركية على تنظيم الجانب القانوني لهذه المواجهة من خلال تصنيف “كتائب سيّد الشهداء” وقائدها أبو آلاء الولائي ككيانان إرهابيان، ما يعكس دورهما في هجوم أربيل وعلاقاتهما طويلة الأمد مع كيانات محددة أخرى مثل فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني و”كتائب حزب الله” العراقية. كما يجب على الولايات المتحدة أن تَحثّ شركاءها -وخاصة بريطانيا والاتحاد الأوروبي على أن يحذوا حذوها في تصنيف كتائب حزب الله على قائمة الإرهاب. ورغم أن هذه الحادثة كانت مثالاً رائعاً على التعاون الأمني بين الولايات المتحدة والعراق، فإن بالإمكان تحسين التواصل مع الشركاء الدوليين.
على الجبهة العسكرية، لا بدّ من قيام الولايات المتحدة مؤقتاً بتوفير دفاعاتٍ جويةٍ مكثّفةٍ في منطقة أربيل في حال وقوع المزيد من الهجمات هناك. كما يجب أن تكون مستعدة لقيام الميليشيات بتوجيه انتقامها ضد الهدف الأقرب -حكومة الكاظمي- وأن تُعد نفسها للرد على أي استفزازات كبيرة ضد هذا الشريك من خلال توجيه تحذيرات أخرى لإيران وشن ضربات ضد وكلائها. وأخيراً، عليها تعزيز التغطية الاستخباراتية في منطقة سهل نينوى، لحماية أربيل وضمان عدم قيام أيٍّ من الميليشيات وتنظيم “داعش” بأي مفاجآت سيئة عند زيارة البابا فرنسيس للمنطقة، المقررة في 7 آذار (مارس).

*زميل برنشتاين في معهد واشنطن، ويقوم بتحليل الميليشيات والسياسيين المدعومين من إيران في العراق منذ العام 2003.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock