أفكار ومواقف

“تحذير”

د .عاصم منصور

«تحذير: إن مواقع التواصل الاجتماعي هي السبب في نشر المعلومات المضللة، والترويج للتطرف، وانتهاك الخصوصية، وتشكل بيئة مواتية لانتشار انتهاكات حقوق الإنسان، ننصحك بالتعامل معها بحذر»، هذا الإعلان الذي يحاكي بمحتواه التحذيرات الموجهة لمتعاطي التبغ، ويستمد لغته من تصريحات وردت على ألسنة المشرعين الأميركيين والأوربيين، أثناء جلسات الاستماع الشهيرة لعالمة البيانات ومهندسة البرمجيات الأميركية والموظفة السابقة لدى شركة فيسبوك (فرانسيس هوغن) والتي أدلت بشهادتها في 3 تشرين الأول، وكشفت عن الآلاف من وثائق فيسبوك الداخلية والتي تضع الربح أولوية على حماية المستخدمين من المضامين الضارة التي يطالعونها على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة. وقد احتفى بها المشِّرعون في الغرب غاية الحفاوة وأصبحت حديث العام وأخطر تهديد يواجه الأخطبوط الأزرق.

أمّا السر في ربط ما جاء من مضمون التحذير من خطر مواقع التواصل الاجتماعي مع أضرار التبغ، ومراوغات شركات التبغ في منتصف القرن الماضي، فيفسره ما ورد على لسان عضو الكونغرس الأميركي (ريتشارد بلومنتال) حيث قال إن: «شركات التكنولوجيا الرقمية تواجه لحظة الحقيقة، التي واجهتها شركات التبغ من قبلها وعليها أن تعترف بما اقترفته». وقد دفعت هذه التصريحات باتجاه حشد اجماع عابر للدول والأيديولوجيات يستند إلى حقائق علمية حول الآثار السلبية العميقة لانتشار وسائل التواصل الاجتماعي بين مختلف الفئات العمرية والمتباينة اجتماعياً واقتصاديا وسياسياً.

وبصرف النظر عن دوافعها المعلنة أو الخفية، فقد نبهت شهادة (هوغن) وما أشعلته من نقاش في الرأي العام، وفي أوساط النخب، إلى المدى الذي بلغته برامج وخوارزميات علوم البيانات، والذكاء الاصطناعي، وتطبيقاتهما من قدرات متعاظمة، وذلك بفضل التحديث الدائم لهذه البرامج، وما توفر لها من بيانات هائلة لمزيد من التعلّم والاختبار والتطوير، والإمكانات الهائلة التي توفرت لعلماء البيانات لإجراء البحوث والدراسات، ومراجعة النتائج، وتحسين الخوارزميات، لتصبح أكثر ذكاءً، وخبثاً، وتأثيراً.

وفي لفتة أظهرت اهتمام الوسط العلمي بالضوابط الأخلاقية لعلم البيانات والذكاء الاصطناعي، اختارت مجلة (Nature) العلمية المعروفة، عالمة أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (تيمنيت جيبرو) ضمن قائمة تضم أسماء أهم عشرة علماء في مجالات العلوم المختلفة والذين أسهموا في تأسيس أرضية للعلم في العام 2021، وهي إحدى عالمتي معلومات، واللتان تم فصلهما من شركة (جوجل)، على خلفية مواقفهما فيما يتعلق بأخلاقيات برامج الذكاء الصناعي.

إن القلق المتزايد من تأثير منصات التواصل الاجتماعي المنفلت من كل عقال وضابط، يكاد يكون موضع إجماع، سواءً في الدول المتقدمة أو المتأخرة، وضمن مختلف الخلفيات الفكرية والأيديولوجية، مما يوفر مسوّغات للنوايا البريئة وغير البريئة لضبط هذه الأدوات والبرامج والمنصات. هذا القلق مدفوع بالأرقام الصادمة، كأن يتجاوز مستخدمو منصة فيسبوك -مثلاً- الثلاثة مليارات مستخدم، وقدرة شركة فيسبوك على جمع (10) آلاف معلومة عن كل واحد منا ومنهم، وهو قدر مخيف من المعلومات التي ربما لا يعرفها عنا قريب أو إدارة أو مؤسسة، وهذه الشركات لديها الخوارزميات التي يمكن أن تستفيد من هذه المعلومات، وما يحيط بها، وتوظّفها للتوجيه الناعم للبشر، وبرمجة العقول، وتشكيل العواطف، والشحن بالأفكار السلبية والإيجابية.

من قراءتي للمشهد أعتقد بأن المشرعين المتحمسون في الغرب لن يبادروا إلى وضع لافتة تحذيرية على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكنهم سيتمكنون من فرض المزيد من التدخل في هذه المنصّات، ووضع ضوابط لاستخدام الخوارزميات بما يتناسب مع مصالحهم وفيما يخدم توجهات دولهم وناخبيهم، وبما يتوافق مع أيديولوجياتهم، أمّا المتفرجون الصامتون فربما آن الأوان لهم للدخول المتواضع إلى الميدان، ووضع هواجسهم ولو في ذيل لوائح المعايير الأخلاقية وقواعد السلوك.

فبالرغم من خسارة شركات التبغ معركة «التلاعب بالأبحاث العلمية»، فقد ربحت في النهاية جيوب الناس، وما زالت صناعتها وتجارتها رائجة، وإمكانياتها تزداد مع كل عبوة جديدة وتصميم جديد جذاب يعلن أن «التدخين يدمِّر الصحة ويسبب الوفاة».

المقال السابق للكاتب

كورونا ونقص الكوادر الصحية

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock