أفكار ومواقف

تحرش في التحرش

سائد كراجة

مشاركة المرأة في الفضاء العام؛ حق دستوري وقانوني ليس منة من أحد ولا فضلا لأحد، ووجودها في مساحات آمنة عامة، تحترم قراراتها بجسدها وكينونتها ومظهرها هو التزام قانوني وحضاري وهو احد معايير مدنية الدولة وتقدمها.

أحد مظاهر التحرش المجتمعي هو ربط الأخلاق بنمط ومظهر معين للمرأة، أثقل ذهن وعقل المرأة وجعلها تتحرك بأحكام أخلاقية صورية، اثبت الواقع عدم صحتها، فالالتزام الاخلاقي هو مجموعة قيم ذاتية او دينية، وهو اكثر من مظهر او لباس معين، فقد شهد المجتمع ما يعتبره غير اخلاقي من مظاهر اللباس جميعها.

والحقيقة ان الحضور النسوي في الفضاء العام هو في معظمه حضور راق حضاري فالواقع يزخر بنماذج نسوية مهنية وانسانية تستحق الاحترام والاعجاب، أقول هذا لألفت الى لغةٍ مبطنة مفادها أن النساء اصل المشكلة، وان مظهرهن هو «مبرر» الاعتداء عليهن، وربطهن وربط وجودهن في الفضاء العام، بتدهور المجتمع اخلاقيا ومهنيا واقتصاديا كلام خطير ومرفوض، فهذه لغة عدائية غير موضوعية مكبوتة، وأعتقد انها هي اصل التحرش ومصدره الاساسي.

التحرش ظاهرة عالمية منتشرة في المجتمعات، وهي ايضا مرتفعة في مجتمعنا، واساسها في ظني؛ فهم مترسخ في الشخصية الذكورية «ان المرأة وجسدها تقع ضمن قائمة ممتلكاته»، فأغلب الرجال لا يفهمون أن جسد المرأة هو لشخص مستقل عنهم وعن رغباتهم، وحكاية الذباب والحلوى المكشوفة المشهورة مؤشر يكشف ضحالة ذهن صاحبها، وهو ذهن يعتقد انه بمحض ذكوريته يملك جسد اي امرأة تمر في الشارع او تتبع له بحكم الوظيفة او الدراسة، وقد اثبت الواقع ان لا فرق هنا إن كانت المرأة محجبة أم غير محجبة.

في بيئة التعليم المدرسية والجامعية، لا يكفي توقيع المعلمين على ما يسمى مدونات سلوك عامة، تتحدث عن التزام المعلمين باحترام الأخلاق والآداب بل يجب ما امكن تفصيل ما هو ممنوع على المدرس قوله او فعله او الإتيان به من ممارسات، وتنظيم شامل لساعات زيارة الطلاب لمكاتب المعلمين، فتحدد تلك المدونات ما أمكن العبارة الممنوعة، مثل ألفاظ إطراء على الشكل او الهندام او تعاطي عبارات هابطة او القيام بإيحاءات جسدية، بالاقتراب من جسم الطلاب، وايضا يجب توضيح ما يمنع على الطلاب ذكورا واناثا فعله مع المعلم، وما قد يعتبر تحرشا منهم بالمعلم او مدرس الجامعة، هذه تفاصيل يجب ان تؤخذ على محمل الجد والوضوح، وخاصة في الجامعات، ولهذا يجب ان يبدأ كل عام جامعي بحملة توعية وتذكير لأطراف العملية التعليمية من طلاب ومعلمين واداريين، بالحدود والافعال الممنوعة، وايضا توفير قناة سرية للطلاب للشكوى من افعال التحرش، وضرورة توفير علاج نفسي للطالبات والطلاب الذين تعرضوا له.

على صعيد طلاب المدارس وخاصة في مراحل التعليم الاولى، اهم عامل هو ان يفتح الآباء للابناء قنوات اتصال تشجعهم على عدم الخوف من شكوى من يقترب منهم او يتحرش بهم ذكورا واناثا، ومهما كانت صفتهم غرباء ام اقرباء، هذا امر اساسي في حماية الاطفال من التحرش.

المرأة مواطن وليست مفاتن، وهي شخص مستقل مسؤول كفل لها القانون جميع الحقوق الدستورية المكفولة للأردنيين من المساواة واحترام الخصوصية، والحق بالعمل والتعلم والاستقلال الاقتصادي والذاتي، وما هو في رأسك عنها لا يمثلها، وهنا اريد أن أبشر المتحرشين ان القانون الأردني، وان كان لم يضع تعريفا جامعا مانعا للتحرش، إلا أن كل الافعال التي تقع ضمن الاعتداء المادي او المعنوي او النفسي على جسد المرأة او الرجل مجرمة في قانون العقوبات، تحت مسميات مختلفة، وعقوبتها السجن لمدة قد تصل الى سنتين أو أكثر.

وبالحديث عن القانون؛ فإن القاعدة الاساسية الخالدة ان المتهم بريء حتى تثبت ادانته، ولهذا لا يجوز محاكمة المتهمين على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد عملنا ربع قرن واكثر في المحاماة، ان لا مجرم الا بعد ادانته بحكم قضائي مبرم، ولا يجوز قبل ذلك اطلاق الاحكام والتحرش بسمعة الناس وكرامتهم، فاهم علي جنابك؟!

المقال السابق للكاتب 

الخيار الأردني

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock