أفكار ومواقف

تحرك دولي مستفز

مستغرب ومستفز، ما يرمي إليه التحرك الدولي، الجاري حاليا، لتهدئة الاوضاع الملتهبة في القدس والضفة الغربية المحتلة، بل وينطبق على هذا التحرك القول المأثور “صمت دهرا ونطق كفرا”.
بات وقف تدهور الأوضاع الأمنية في القدس والضفة الغربية، التي ارتقى فيها حتى الآن نحو 43 شهيدا فلسطينيا، إضافة الى مقتل ثمانية اسرائيليين، بين جنود ومستوطنين، هو هدف التحرك المفاجئ لأمين عام الأمم المتحدة بان كي مون، وزيارته للمنطقة، وقبله “تسخين” وزير الخارجية الأميركي جون كيري، الذي أعلن منذ نحو أسبوع عن عزمه لقاء مسؤولين اسرائيليين وفلسطينيين وعرب، لذات الهدف وهو “تهدئة” الأوضاع في الضفة المحتلة، لتجنب -كما يظهر واضحا من بين ثنايا هذه التحركات والتصريحات- الوصول إلى اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة.
والمستغرب، والمثير للحنق أيضا، أن هذا التحرك الأميركي والدولي، يحصر هدفه بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل انطلاق الهبة الفلسطينية الأخيرة، على خلفية الاعتداءات والانتهاكات الاسرائيلية في القدس والمسجد الاقصى، بحيث يعود الشعب الفلسطيني إلى هدوئه و”سلميته”، وتقبل المراهنة على مفاوضات تتهرب منها اسرائيل، ويعجز المجتمع الدولي عن إجبارها على العودة إليها والالتزام باستحقاقاتها! وهي مفاوضات، إن حصل وبدأت، فإنها قد تمتد لسنوات طويلة أخرى، يكون الاحتلال خلالها قد ابتلع ما تبقى من حقوق للشعب الفلسطيني!
بان كي مون أشار في تصريحات له أمس إلى سقف أهداف تحركه، وهو عندما دعا إلى حوار أردني اسرائيلي حول الحرم القدسي الشريف، وأكد على الدور الأردني الخاص بالقدس. والمشكلة هنا أن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، يختزلان بذلك الأزمة وأسباب تفجر الأوضاع في الضفة الغربية المحتلة، بالانتهاكات الاسرائيلية للأقصى الشريف، ومحاولات تقسيمه زمانيا ومكانيا.
ورغم أولوية الدفاع عن “الأقصى” والقدس في نضال الشعب الفلسطيني بوجه الاحتلال الاسرائيلي، والصمت الدولي والعربي، فإن محركات النضال الفلسطيني، والذي يسميه العالم اليوم بالعنف، أكبر وأعمق من قضية القدس والمسجد الاقصى. فقضية الشعب الفلسطيني، هي في احتلال أرضه وحرمانه من حقه في إقامة دولته المستقلة وكاملة السيادة. القضية هي في الاستيطان الذي ابتلع أغلب أراضي القدس والضفة المحتلة، وقطّع أوصال الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية في الوطن المحتل. هي في نكران حق العودة للاجئين الفلسطينيين، الذين يشكلون أغلبية الشعب الفلسطيني، وهي في بقاء عشرات الآلاف من أبنائه أسرى في سجون الاحتلال النازي.
المحرك الرئيسي لنضال الشعب الفلسطيني الذي يسميه المجتمع الدولي عنفا وتدهورا أمنيا، هو حرمان هذا الشعب من الأمل بمستقبل يستحقه، تتحرر فيه أرضه ويقيم فيه دولته المستقلة، ويسيطر على حدوده وسيادته واقتصاده وحياته. المحرك الرئيسي لهذا النضال، الذي حتى لو خفت أو دخل في مرحلة كمون وهدنة اليوم أو غدا، هو في عربدة اسرائيل التي تفرض على العالم كله شروط احتلالها لفلسطين، وتضرب عرض الحائط بكل المواثيق والقرارات الدولية وشرعيتها.
كيف يمكن لكيري أو بان كي مون أن يقنعا الشعب الفلسطيني بوقف هبته ونضاله بالصدور العارية ضد الاحتلال الفاشي بفلسطين، فيما تعلن حكومة الاحتلال، وقبل أن يغادر كي مون الأراضي المحتلة، عن وضع مخططات لبناء ثلاثة آلاف وحدة استيطانية جديدة في القدس المحتلة، لتضاف إلى مئات آلاف الوحدات الاستيطانية في طول وعرض القدس والضفة المحتلتين؟
الصمت والانحياز الدوليان تجاه السياسات العدوانية لاسرائيل، وعدم التحرك جديا لفرض الشرعية الدولية، وتمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه الوطنية، هي ما سيبقي جذوة النضال الفلسطيني متّقدة، وهي ما يحرك ما يسميه المجتمع الدولي ظلما، العنف والتدهور الأمني في الأراضي المحتلة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock