أفكار ومواقف

تحريك التاريخ الفلسطيني

لا يمكن قراءة عملية تل أبيب الأخيرة إلا في سياق استمرار روح المقاومة لدى الشباب الفلسطيني الجديد؛ المقاومة التي تتجاوز حالة اليأس المزمن وحركة إبطاء التاريخ الفلسطيني التي تعمقت في العقدين الأخيرين أكثر من أي زمن آخر في تاريخ القضية التي تعيش أسوأ لحظاتها التاريخية. فمن دون شك، ستثبت الأحداث أن الفلسطينيين هم أكثر الخاسرين من زمن “الربيع العربي”، ومن التحولات العربية الدامية التي عمدت شوارع عواصم ومدن عربية كثيرة، على الرغم من أن العرب المعاصرين قدموا في مذابح الاقتتال الداخلي، في آخر خمس سنوات، أكثر مما قدموا لفلسطين على مدى قرن مرات كثيرة.
أكثر ما تحتاجه المقاومة الفلسطينية هو شكل جديد لاستنزاف الاحتلال؛ يوظف أشكال المقاومة كافة، البدائية والسلمية والمدنية، من أجل كسر شوكة الاحتلال، فلا شيء يستطيع جعل كيان الاحتلال يعود إلى مراجعة خيراته، في الحرب أو السلام، أكثر من الاستنزاف.
لكن ما يزال خيار الاستنزاف غير مخطط له من قبل الفلسطينيين، كما يبدو على الأرض. إلا أن ماكينة الاحتلال تدرك حجم خطورة هذا الخيار والمصير الذي يقود إليه. فهو بلا شك خيار اليأس الاستراتيجي؛ حينما يصل أحد أطراف الصراع إلى أن لا فائدة من أشكال المقاومة التقليدية كافة، أو العمل السياسي؛ وأن الفرق في موازين القوى لا يمكن بأي حال اللحاق به. وتلجأ، عادة، قوى المقاومة لهذا الخيار في لحظات اليأس، لأنها تكون على استعداد لتقديم خسائر كبيرة مقابل إيقاع خسائر ولو محدودة، لكنها مستمرة ولا يحتملها العدو على المدى البعيد.
خيار استراتيجية الاستنزاف وبمفهومه الفلسطيني الجديد، هو الخيار القابل للحياة، والقادر على تصعيد ثلاثة أشكال من الاستنزاف هي: الاستنزاف الاستراتيجي لجيش الاحتلال وإمكاناته البشرية بالدرجة الأولى، وإيقاع ضربات مؤلمة فيه؛ ثم الاستنزاف السياسي للنخب السياسية الإسرائيلية، وتحديدا صورة الدولة الإسرائيلية في العالم وصورة نخبها في الداخل، ما يزيد من أزمتها الداخلية والخارجية. أما الاستنزاف الاقتصادي فقد يشكل تحديا من نوع آخر، إذا ما استطاعت المقاومة الانتقال إلى مستوى جديد ومتقدم من المقاطعة للبضائع والخدمات الإسرائيلية. وهي يمكن أن تضرب الاقتصاد الإسرائيلي إذا ما انتقلت المقاطعة إلى مستوى العالم الإسلامي والعالم ككل.
هناك ثلاثة تحولات حقيقية تجعل من خيار استراتيجية الاستنزاف قابلة للحياة على الأرض الفلسطينية؛ الأول، ما يدل عليه العديد من المؤشرات على بداية تغير منطق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بما يتجاوز منطق التنظيمات التقليدية وأدواتها في المقاومة؛ إذ ثمة يأس فلسطيني عميق ينال منظمة التحرير الفلسطينية وصولا إلى حركة “حماس”. بمعنى أن تغيير منطق الصراع وأدواته قادم من الطرف الأضعف، لكنه الأكثر استعدادا لتقديم التضحيات. والتحول الثاني يعكسه ظهور جيل جديد من المقاومين الفلسطينيين من الشباب والشابات، تحديدا الذين تجاوزوا خطوط التقسيمات الفلسطينية التقليدية، إلى جانب ظهور نخب سياسية فلسطينية صغيرة تنتشر هنا وهناك غير مؤمنة بالمنطق السياسي الذي يدير العمل السياسي والمقاومة وتحالفاتها، ويبحث عن طريق جديدة. أما التحول الثالث، فيبدو في عودة المقاومة إلى استخدام أدوات بدائية، مثل الحجارة والسكاكين والدهس وغيرها. وهو التطور الذي جعل هذا النمط من المقاومة يتسع حتى وصل إلى داخل ما يسمى الخط الأخضر. وأهمية هذه الأنواع من الأدوات أنها قابلة للاستدامة والاستمرار والانتشار، الأمر الذي بدأت تدركه الماكينة الدعائية الإسرائيلية.
استراتيجية الاستنزاف لا تحتاج أكثر من إرادة قوية وقليل من القدرة. لكنها استراتيجية النفس الطويل القادرة على تحريك التاريخ على الأرض الفلسطينية.

تعليق واحد

  1. "واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلموهم الله يعلمعهم "
    استاذ باسم لم يحدد خالق الكون وهو الأدرى بخلقه مراحل وكينونة الدفاع عن الأرض بيأس من عدمه بل حدد الإستطاعة وفق المتاح والقدرة الذاتية وحكمته من ذلك استمرار صاحب الحق وعدم الخنوع واليأس في مقارعة العدو وان لم يحقق الجيل الحالي ومن سبقه إعادة الحق الى اهله فلقد ابقوا القضية حيّة وزرعوا في الأجيال القادمة ديمومة المقاومة وهكذا دواليك "ليقضي الله امرا كان مفعولا"

  2. التخطيط بالعقل وليس العاطفة
    مقال عقلاني فقط بالتخطيط والعلم والمعرفة والإختراق يمكن إنهاء الإحتلال–لنتعلم من تجارب الآخرين

  3. معطيات ونتائج
    في هذا المقال الواقعيّ يحدد الاستاذ باسم معالم الطريق إلى نشوة الانتصار الآني وهي المناسبة لحياة الشعب الفلسطينيّ في ظل التخاذل العربيّ، أما فكرة الربيع العربيّ فما هي قناع لتحقيق أهداف للطرف الإسرائيليّ فكل المؤشرات تشير إلى أنّه الرابح الوحيد والشعوب هو الخاسر الأوحد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock