أفكار ومواقف

تحريك الحياة العامة

لدى طيف واسع من ابناء الطبقة السياسية اعتقاد بأن أزمة الحياة العامة مرتبطة بالدرجة الأولى بالعلاقة بين الدولة والقوى السياسية، وعلى الرغم من أن هذا التشخيص صحيح لدرجة كبيرة، إلا اننا نتجاهل الخوض في المضمون الاجتماعي والثقافي لهذه الأزمة المزمنة، قد تلعب المؤسسات دورها في اضعاف الحياة العامة والحد من قدرة القوى السياسية على التبلور والنضوج، لكن في المجمل لا يوجد تاريخ مقنع من التراكم الحريص على صون الحياة العامة ولم تخلق الطبقة السياسية مبادرات تاريخية داخل الدولة وضمن فضائها الاجتماعي قبل السياسي تخلق حولها التفافا أو حدا معقولا من التوافق، لذا نجد أن معظم محاولات تحريك الحياة العامة تأتي هشة وسريعة ومنفعلة.
برزت شعارات سياسية عديدة خلال آخر عشر سنوات تحدثت عن إصلاحات واختراقات كبرى مثل: ملكية دستورية وحكومات برلمانية ثورات إدارية بمختلف الألوان، وفي النوايا الحكومية كلام مرسل وجميل عن استعادة كفاءة الجهاز الحكومي، وللانصاف حدثت خطوات مهمة في السنوات القليلة الماضية، لكنها لم تمس إعادة بناء الطبقة السياسية ولا النخبة التكنقراطية على أسس جديدة تراعي التطور الاقتصادي والاجتماعي وحاجات الدولة بمعنى القدرة على استيعاب دروس الإصلاح السياسي والتحولات التي شهدتها المنطقة وضرورة بناء مؤسسات دستورية قوية وقادرة على الصمود.
في المقابل ازداد التوظيف السياسي للقانون، ما جعل الإدارة العامة رهن إشارة الطبقة السياسية الرسمية وتحت هيمنتها، وظهرت أجيال من السياسيين لدينا أبدعوا في وضع القانون على الرف تحت ذرائع وحجج تتلخص برؤيتهم للصالح العام، وفي سياق من خطاب الولاءات الذي لم يعد صالحا للاستهلاك المحلي.
هناك أدبيات محليـة معروفـة تتحدث عن غربـة تاريخيـة يعاني منها المجتمع السياسي الأردني في السلطة أو خارجها، خلاصتها هذا الكسل المزمن عن إنجاز مهامات عاجلة في الثقافة السياسية للمجتمع والدولة، ما يدفعنا للزعم بأن هذه الظاهرة أحد الأسباب الحقيقية لضعف الحياة العامة بمفوهمها الاجتماعي، ما يزال هذا المجتمع السياسي يدور في المنطقة الرمادية بين السياسة والايديولوجيا مشغولا حد التخمة بالقضايا الكبرى ولا يوجد لديه أي استعداد للتضحية من اجل بناء القيم الكبرى ولا حتى الدخول في جدل السياسات العامة.
هناك حالة انسحاب واضح وتراجع في اداء المؤسسات المجتمعية المدنية التي يتكفي بعضها بمراقبة المشهد واحيانا تعفي نفسها حتى من أن تكون مراقبا أو شاهدا، وينسحب هذا بصورة أقسى على الكتل الاجتماعية الحيوية مثل مجتمع الأكاديميين الأردنيين الذين لا حول ولا قوة لهم في الحياة العامة خارج قاعات الدروس، وكتل اخرى مثل المتقاعدين المؤثرين الذين من المفترض أن يعدوا خبراء وذخيرة المجتمع ومخزونه واحتياطه الثمين وحتى رجال الاعمال الوطنيين علاوة على كتل المثقفين العضوين الذين هم طليعة المجتمع العارفة التي من المفترض ان تكون بمثابة الكتلة التاريخية التي تتكون من مختلف الفئات ومن مرجعيات فكرية وسياسية متعددة يجمعها الايمان بالتعدد واحترام الاختلاف وحد أدنى من الاتفاق على مفهوم الصالح العام.
أمام المجتمع المدني والنقابات والاحزاب والقوى السياسية فرصة لتشكيل نواة لجماعة وطنية ديمقراطية عابرة للتيارات السياسية والأيديولوجية، تؤمن بالديمقراطية وتؤمن بالدولة الأردنية ومنهجها وبرنامج عملها ومجالها الاجتماعي، وامامهما فرصة للمساهمة في استعادة الثقة والتوازان في العمل العام وان تستفيد من اخطاء الماضي القريب والبعيد.
علينا الاعتراف أن المجال العام المدني والنقابي والحزبي المعروف بعلله التاريخية قد ازداد هشاشة في السنوات الأخيرة، ويمر حاليا في حالة من الاسترخاء وهذا لا يخدم الاجندة الاصلاحية للدولة الأردنية؛ فالأساس المهني والسياسي والاجتماعي هو ما قامت عليها الإصلاحات الكبرى في العالم ولا يمكن تجاوزه.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock