أفكار ومواقف

تحسين استخدام الإعلام

فيما يشبه السراب تتحرك صفقة القرن في الصحافة والمؤتمرات والاجتماعات فالجميع يتحدث عنها ولا يوجد وثيقة او نص او خطة معروفة يمكن الاطلاع عليها ومناقشتها.. وسط كل هذا يبقى السؤال عمّ يتحدث الساسة.. ولماذا كل هذا القلق؟
في العالم العربي وربما الولايات المتحدة لا احد يعرف التفاصيل الكاملة لما بشر به الرئيس الاميركي ترامب وفريقه العامل على اعداد التصور الخاص بحل اكثر الازمات العالمية تعقيدا واستعصاء على الحل. التسريبات التي يتداولها الساسة والمحللون ويتولى نتنياهو واليمين الاسرائيلي الاعلان والتصريح او التلويح ببعض مكوناتها لا يجري تأكيدها او نفيها من قبل اي جهة رسمية والموقف الاميركي يتغير بصورة مستمرة فقد تبدلت المواعيد التي حددت للاعلان عنها وتباينت المضامين التي سربت حول ما يمكن ان تشتمل عليه الصفقة.
الحقائق المتفق عليها ان هناك رئيسا اميركيا يدير البلاد ويتخذ القرارات بطريقة غير تقليدية ولا يهتم كثيرا لما يخالف قناعاته فهو مسكون برغبة الانجاز ويسعى الى تكريس صورته كزعيم عملي خارق يقوم باشياء لم يستطع غيره القيام بها. من الناحية العقائدية يمكن القول انه منحاز الى اليهود ولا يحترم العرب ويرى انهم يملكون ثروات لا يستحقونها. خلال حملته الانتخابية وعد بنقل السفارة الاميركية الى القدس والاعتراف بها عاصمة لاسرائيل فهو يسعى الى ان يقدم لاسرائيل اكثر مما قدمه الرؤساء السابقون ويرغب بان ينظر له التاريخ على انه ينفذ ما يقول ويحترم الوعود التي يقطعها.
اللوبي الصهيوني وقيادة الليكود الاسرائيلي ادركوا ذلك جيدا فوظفوا كل هذه الخصائص والسمات من اجل تحقيق الاهداف والتحلل من ادبيات المفاوضات وهدف حل الدولتين فانخرطوا في علاقة اشتباك وتنسيق مباشر مع الادارة الاميركية التي اختارت شخصيات يهودية للعمل على ملف الصراع العربي الاسرائيلي. ضمن هذه التركيبة والخلفية والسياق يمكن التنبؤ بمخرجات هذه الجهود التي تنفذ تحت عنوان صفقة القرن.
الغاية من كل ما يجري في الخفاء وفي العلن هو استكمال يهودية الدولة من خلال ابتلاع الاراضي واستبعاد السكان واضفاء الشرعية على التهويد باستخدام الاستراتيجيات والاساليب التي استخدمتها الصهيونية العالمية عبر ما يزيد على 120 عاما.
الاستراتيجية الصهيونية التي صيغت في نهاية القرن التاسع عشر وبوشر تنفيذها تستند الى مبادئ وافكار لا تتغير مهما تغيرت الزعامات والاحزاب والقادة. عبر العقود الماضية عملت القيادات المختلفة للعصابات والكيان الصهيوني على ارهاب السكان وتشريدهم وابتلاع الارض ثم تهويدها من خلال تغيير الواقع على الارض وانتزاع الاعترافات والتلاعب بلغة النصوص وادخال الخصوم في عملية مفاوضات تساعد على تغيير المرجعيات القانونية وتخلق اطرا جديدة وتخلط الاوراق بالدرجة التي تسمح لهم بالالتفاف على الحقائق واعادة تشكيل الاطر القانونية والتاريخية بما يخدم اغراضهم واهدافهم.
على مدى مراحل الصراع استطاع اليهود التأثير على المنطقة وتشكيل الصورة النمطية لسكانها لدى شعوب وثقافات العالم فأظهرت انها الديمقراطية الوحيدة التي تسعى للبقاء وسط دكتاتوريات معادية تحاول القضاء على وجودها كل ذلك في الوقت الذي عملت فيه على التوسع في الاراضي العربية وجلبت ملايين المهاجرين من مختلف قارات العالم بعد ان شردت الشعب الفلسطيني وجردت الاهالي من حقوقهم وملكياتهم.
التصريحات التي ادلى بها المبعوث الاميركي للشرق الاوسط حول ان “الصفقة لا تتضمن اقامة وطن بديل للفلسطينيين في الأردن” والرفض المصري والإنكار الأميركي لنية اقتطاع أراض من سيناء وضمها للقطاع كما حملت بعض التسريبات السابقة والرفض الأردني المصري الفلسطيني السعودي لفكرة الصفقة وما قد تحمله من تهديد لمبدأ حل الدولتين وما حملته المبادرة العربية التي تبنتها الجامعة العربية منذ العام 2002 تشير إلى أن الإدارة الأميركية والحكومة الاسرائيلية نفذتا هجوما مشتركا على الشرعية الدولية تحت ستار من الدخان الذي اطلق عليه صفقة القرن فاتخذ ترامب قرار نقل السفارة والاعتراف لاسرائيل بالسيادة على القدس وألحق ذلك بالاعلان عن الاعتراف بالسيادة الاسرائيلية على الجولان السورية المحتلة.
في غياب المشروع العربي المشترك يظهر عنوان صفقة القرن كحاجز من الدخان يشغل العالم ويلهي العرب في الوقت الذي تسير فيه اجراءات التهويد على قدم وساق ونغرق جميعا في جدل بيزنطي حول احقية ترامب في اصدار الاعلانات واتخاذ الاجراءات ويتبادل العرب الاتهامات حول من يدعم الصفقة ومن يعارضها.
الأمة العربية بحاجة الى مشروع مقاومة يحسن استخدام الاعلام ويحشد التأييد العالمي ويدعم الصمود الفلسطيني ومقاومته على الارض بغير ذلك ستستمر المساعي الصهيونية التوسعية لابتلاع فلسطين وما وراء فلسطين.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock