أفكار ومواقف

تحولاتنا المعرفية.. وجهة موحشة

هرباً من الرتابة التي تغلف كل هذه الحركة لسبب غامض، استخرجت أعداداً من مجلات عربية قديمة وغرقت في تصفحها. أردت أن أرى كيف كان المشهد الثقافي العربي قبل نصف قرن، وكيف هو الآن؛ أين كنا وأين صرنا؛ وهل نتقدم أم نتأخر.
على غلاف عدد من مجلة “الهلال” المصرية من العام 1968، كانت العناوين: “جزء خاص عن الفكر العصري”؛ “حوار بين سارتر وجارودي حول الهيجلية والوجودية والماركسية”. وضم عدد آخر من نفس المجلة في العام 1970، عناوين مثل: “قصة الإنسان: من آدم إلى داروين”؛ “ما أعطى المسرح العالمي وما لم يُعط بعد”. وفي عدد من مجلة “الكاتب” المصرية من نفس العام، عناوين منها: “مصر والثورة العربية،” “جذور الانتهازية”، “محو الأمية عمل ثوري”، “الثورة الفلسطينية المسلحة”. وفي عدد من مجلة “المعرفة” السورية، من العام 1970 أيضاً: “تاريخ الكفاح العمالي”، “سلب العرب من تاريخهم”، “د. هـ. لورنس والعمال”. و”التركيب الطبقي الفلسطيني في عهد الانتداب.”… وهكذا.
ووجدت معظم الموضوعات تغري بالقراءة حتى بعد كل هذا الوقت، وتعِد بحصة معرفية مركزة ومن طراز رفيع. ولاحظت في تلك الموضوعات: رفضها الانغلاق، وانفتاحها على اتجاهات الفكر العالمي الجديد آنذاك بلا تحفظ، والأهم من كل شيء: شغفها التحليلي وفرحها المعرفي، ونظرتها المستقبلية التي تشفّ عن أمل وإقبال مدهشين. ولا عجب، فقد كان ذلك امتداداً لحقبة النهضة العربية التي صاحبت الشطر الأكبر من القرن العشرين. ويبدو أن الهزيمة القاسية سنة 67، القريبة من تواريخ أعداد المجلات التي ذكرت، لم تكن قد تمكنت بعد من إحباط العقل العربي وإقعاده. وكان يشيع حسّ قوي بإمكانية التعافي من “النكسة” بالعمل.
توقفت عند عدد من مجلة “الطريق” اللبنانية من العام 1969. وقد بدأ بافتتاحية عن الذكرى العاشرة لاستشهاد المناضل اللبناني فرج الله الحلو. وهو، كما تقول الافتتاحية، شيوعي رائد حاول تفسير المجتمع العربي باستخدام القوانين العامة للتطور. وكانت غاية الحلو، هي “البحث عن قوى الثورة، وكيف يمكن تعبئتها، وإعدادها في سبيل التغيير الثوري للمجتمع”.
وفي موضوع آخر، كتب جورج الحاوي -الذي اغتيل بعد ذلك في العام 2005 بتفجير سيارته ثمناً لمواقفه- عن الطغمة المالية الحاكمة في لبنان، والأزمة التي افتعلتها بدفع استهدافها العمل الفدائي الفلسطيني على الأرض اللبنانية. وقد اعتقل حاوي نفسه في ذلك العام، 1969، بسبب اشتراكه في المظاهرة الشهيرة التي نظمتها القوى التقدمية اللبنانية دفاعاً عن الثورة الفلسطينية. وكان الملفت في مقالته أكثر ما يكون، هو نبوءته بالاحتمالات الثلاثة التي يمكن أن تلجأ إليها الرجعية اللبنانية لتفريغ الأزمة: الأول: “تسعير جو من العداء الطائفي يصل إلى درجة الفتنة”. الثاني: “العمل لتدويل الأزمة، وافتعال بدعة “التدخل العربي” المزعوم لتبرير استدعاء قوات استعمارية للمحافظة على الحكم القائم، ولضرب المقاومة الفلسطينية الباسلة”. و”أما الاحتمال الثالث الذي لا تتورع الرجعية اللبنانية من اللجوء إليه لتثبيت مواقعها المنهارة فهو: الاتفاق مع إسرائيل للقيام باعتداء على جنوب لبنان”.
وأدهشتني دقة قراءة حاوي التي تحققت بالكامل، ودلّتني على نوعية الوعي التحليلي الذي كان يسم العقل العربي المتحرر آنذاك. كما لاحظت في الجو كله نشاطاً فكرياً بالغ الحيوية، حرضه فيما يبدو وجود ما أسميته في مقال سابق “البديل الثالث” غير سلطات الميتافيزيقا والاستبداد، والذي تمثل حينذاك في منهج المادية التاريخية. وبغض النظر عن مآلات تلك الخبرة، فإنها حركت المستنقع العربي وأحيته. كان الفكر في تلك الأوقات فتياً، فضولياً متنوراً وجريئاً. ولاحظت الفرق بوضوح حين زرت مكتبة مع أصدقاء مؤخراً، وتأملت عناوين الكتب والإصدارات الجديدة أنيقة الطباعة، التي بدت مقارنة بمجلاتي القديمة المصفرة المنضدة حروفها باليد ومؤق الأعين، غير ودودة. وحاول المكتبيّ –مسترشداً بمعرفته بما يطلبه الناس- أن يسوق على أصدقائي أولاً كتباً تتصل بالغيبيات ولا تعرض فكراً جديداً ولا مغوياً. ولم يكن فيها شيء يشبه “داروين” ولا تغيير الحلو “الثوري للمجتمع” ولا رؤية حاوي المستنيرة. هذا الفارق بين المشهد قبل نصف قرن وبين السائد المعرفي الراهن، يفسر واقعنا السياسي والاجتماعي القاتم. إن بوصلة تحولاتنا المعرفية لا تشير إلى نور.

تعليق واحد

  1. التحول المعرفي العربي الى اين ?
    اشكرك على المقال ..
    من قبل قرن لم يكن هذا التطور حاصل فلأفراد كانوا يقضون اوقات الفراغ او عندما يريدون القراءة يقرءون الكتب فقراءة الكتب توسع آفاق العقل وتجعل الافراد يفكرون بطريقة مغايرة وبيطلعوا على اراء واقوال وفلسفة اشخاص كثر هذا اللي "جعل معرفتهم افضل من المعرفة الموجودةالان " اما في هذه الايام فلانسان ما بيستخدم الجانب المعرفي الموجود لديه ولا حتى بيحركه فمثلا ابسط الامور عندما يريد ان يأخذ معلومة اول وجهاته هي جوجل ممكن المعلومة صحيحة او ممكن خاطئة ..وحتى في المجلات لن ترى هكذا مواضيع مثل قصة الانسان من آدم لداروين ..فمواضيع العرب في مجلاتهم معروفة اما عن الغيبيات والابراج اما من انفصل من الفناين وكم تقاضى ….الخ فما اتوقع الخطأ من المجلة ولكن المجلة تعرف ما هي المواضيع التي تجذب القراء فتضعها واكيد الشعوب العربية ما بيهمها موضوع مثل "تاريخ الكفاح العمالي "…..فكما قلت تحولاتنا
    المعرفية لا تشير الى نور
    سلمت يداك استاذ علاء الدين

  2. من ميتافيزيقيا الى اخرى
    من المفيد ان يسترجع الانسان تحولاته المعرفية على مدى عقود لأغراض التعلّم من دروس الماضي واستشراف المستقبل. فمثلاً ماذا تبقّى من نهج المادية التاريخية ومن الاشتراكية سوى يوتوبيا كئيبة وتجارب مريرة على المصير البشري. ولما تنقّل الاقتصاديون بين التأميم والتخطيط المركزي الى الخصخصة وحرية الأسواق ثم ثبت بعد ذلك فشل كلاهما؟ والى أين سيتجهون في المستقبل بعد فشل الليبرالية الجديدة؟ وأين ستأخذنا تشكيلة الايديولوجيا العلمانية الراهنة في المستقبل القريب والبعيد؟ هذه الأسئلة المعرفية أساسية للمثقفين ولابد من ارساء اسس ومنطلقات ومناهج عقلانية رصينة لاستبعاد التحيز الايديولوجي في المعرفة والتوصل الى المعرفة الأخلاقية الموضوعية، بعيداً عن الانبهار بالمعرفة الغربية المحدودة والمتحيزة ثقافياً.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock