أفكار ومواقف

تحول أم استسلام؟

تدور تصريحات وزيرة الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة جمانة غنيمات حول أن حل مشكلة البطالة يحتاج إلى سنوات وأن الحكومة لا تبيع الأوهام، في فلك الخطاب الواقعي الذي يجب أن تستند إليه الدولة في حديثها مع المواطنين بشأن مختلف القضايا، رغم أن هناك من يرى أن مثل هذه التصريحات بمثابة هروب واستسلام أمام صعوبة المهمة وسط ضغوطات اقتصادية تواجهها السلطة التنفيذية وتعصف بمخططاتها التي أجملتها في خطة النهضة التي أعلنت عنها في وقت سابق.
لا يمكن أن نحكم على أن هذه التصريحات هي تحول في الخطاب أم استسلام للواقع الصعب، إذ يتوجب مراقبة المشهد بصورة أكثر وضوحا، وانتظار المزيد من الإعلانات الحكومية التي قد تطال لاحقا الاعتراف بعجزها أمام نسب الفقر والنمو الاقتصادي وغيرها من الملفات الحساسة التي تمس حياة المواطن بالدرجة الأولى، وتحدث فرقا في معيشته التي هي في أدنى مستوياتها جراء السياسات الجبائية المتلاحقة التي عمدت إليها الحكومات المتعاقبة، بما فيها حكومة الدكتور عمر الرزاز.
هناك توجه حكومي نحو واقعية الخطاب، لكن لا بد وأن نؤكد في ذات الوقت أن هذا الخطاب يجب أن يحمل مضامين تدعو إلى التفاؤل بمستقبل أفضل ينتظره الأردنيون، وأيضا أن ترتبط هذه المضامين بمنجز من شأنه أن يترك أثرا في ثقة المواطن بالحكومة. من الخطير جدا أن تسير الحكومة باتجاه واحد في خطابها المتمثل بكشف صعوبة تحقيق منجز، كما لو أنها ترفع يدها عن الموضوع برمته، وتطالب المواطن بالتفهم طالما الأمر خارج سياق سيطرتها، ففي كل الأحوال ينتظر المواطن أن يرى منجزا ما، وهو لا يعنيه كثيرا تبريرات يعتبرها تكتيكية، أو انسحابية.
لا شك أن من المآخذ على رئيس الوزراء وفريقه الوزاري أن حجم المعلن من خطط ومشاريع يفوق عقل المتلقي، كما يفوق الإمكانيات المتوفرة، إضافة إلى أن تطبيقه يحتاج إلى سنوات طويلة، في حال كانت هناك إرادة حقيقية لذلك مع وجود الدعم المادي واللوجستي له. ومع اقتراب مرور عام على تشكيل الحكومة لم نلمس إلا الفتات، مقارنة بالوعود التي تم إطلاقها في كل مناسبة، ومن هذا المنطلق يلجأ البعض إلى تصنيف هذا النوع من الخطابات على أنه استسلام أمام التحديات وليس تحولا في نهج التواصل مع الناس، وإشراكهم في النظر إلى التحديات من منظور من يعيش فوق الأرض، وليس من يطير في سماء الأحلام.
وسط التحديات الداخلية والخارجية التي تحيط بنا اقتصاديا وسياسيا، لا أحد يختلف على أن هناك توحيدا بالموقف الرسمي والشعبي تجاه كل ما يتعلق بمصالح المملكة العليا، خصوصا في ظل ما يعرف بـ”صفقة القرن” التي من المقرر الإعلان عن تفاصيلها بعد شهر رمضان، لذلك لا بد من الخطاب الواقعي الذي لا يكون تثبيطيا، بل ليحث على التفاؤل بقدرة الأردن على تجاوز هذه المرحلة الصعبة بأقل الخسائر، فهناك أرضية صلبة نقف عليها، لكن هذا، للأسف، لا ينطبق على الحكومة التي لم تنجح حتى هذه اللحظة في تحفيز بذرة التفاؤل لدى المواطنين، وإن كانت تحاول جاهدة، ولكن من دون جدوى.
الواقعية تكمن في الحقيقة سواء كانت مؤلمة أم مفرحة، وقبول الخطاب بهذا الشكل يتطلب أن يتنوع مضمونه بين ما يلبي احتياجات الناس وبين ماهية طبيعة التحديات التي تواجهنا، والأولويات التي يجب أن نسارع في إنجازها، حتى نصل إلى مرحلة التفاؤل المطلوبة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock