أفكار ومواقف

تحويلة: كسر “القوالب”

الحراك الشعبي في المحافظات والأطراف أصبح اليوم أمراً واقعاً، ورقماً صعباً جديداً في تحديد متغيرات المرحلة القادمة وشروط نجاح “الوصفة الإصلاحية” المطلوبة.
دوائر القرار أصبحت أقرب إلى القبول بذلك، والتفكير في استراتيجية التعامل مع المعارضة الجديدة، ووقف “سقوف مطالبها” عند الحدود الراهنة، بعد أن برزت مؤشرات ورسائل مقلقة، خلال الأسابيع القليلة الماضية، عن المدى الذي يمكن أن يذهب إليه هذا الحراك، وهو ما انتقل حتى إلى مسيرة الجمعة الماضية في عمان. صحيح أنّ قوى الحراك السياسي الجديد في المحافظات تتشعّب وتتنوع بين توجهات مختلفة فكرياً وحركياً، لكنّها في الوقت نفسه تعكس مزاجاً اجتماعياً- سياسياً واحداً في المحافظات، ينطوي على تحولات كبرى في النظرة إلى طبيعة العلاقة مع الدولة مقارنةً بالعقود الأربعة الماضية.
اهتزاز الأرض تحت أقدام الحكومات والمؤسسات الرسمية مرده إلى أنّ مياهاً كثيرة جرت، خلال العقود الماضية، وقد أصبحت سيلاً جارفاً خلال السنوات الأخيرة. وبدلاً من أن تطور المؤسسات السياسية والرسمية نفسها وأدواتها للتأقلم مع التحولات الاقتصادية والمجتمعية التي أدت إليها الخصخصة وتراجع القطاع العام والغضب الشديد والإحباط من الفساد، فإنّ ما حدث هو العكس تماماً، وارتهان للمنظور الأمني، ما خلق فجوة واسعة وعميقة بين المجتمع والدولة.
المعارضة الجديدة، حتى وإن طوّرت خطابها باتجاه سقوف سياسية مرتفعة ومطالب متعلقة بالتعديلات الدستورية والقوانين وقواعد اللعبة السياسية، إلاّ أنّ منبع هذه الحركات واحتقانها وغضبها هو الشعور بالإحباط وخيبة أمل من اختلال العدالة لاختلال السياسات الاقتصادية والفجوة التنموية، بدرجة رئيسة، وأزمة المركز والأطراف من زاوية ثانية، وأسئلة العلاقة مع الدولة بعد هذه المتغيرات الكبيرة من زاوية ثالثة.
تتقاطع  المعارضة التقليدية والجديدة في نقاط اشتراك عديدة، وبصورة أساسية؛ المطالبة بتعديلات دستورية حقيقية، والتوازن بين السلطات واستقلاليتها، لكن هنالك فجوة أولويات بين “المعارضتين” في المواطنة والعدالة، فبينما تركز الجديدة على العدالة، تركز الأخيرة على المواطنة، ما يدفع إلى ضرورة الوصول إلى تفاهمات محددة، وصياغات ليست لغوية، بل عملية.
وإذا كانت المنطقة الرمادية تقع في سؤال الهوية حصرياً، إلاّ أنّ هذا السؤال –كما يشير د. عدنان أبو عوده- ممزوج ببعد اقتصادي صارخ، لا يجوز القفز عنه؛ فالإصلاح السياسي يتزاوج مع إعادة النظر في السياسات الاقتصادية، بصورة خاصة نحو المحافظات والأطراف التي تعاني تهميشاً مزدوجاً، سياسياً واقتصادياً.
الخلاصة الذهبية هنا أنّ صيغة العلاقة القائمة بين المحافظات والدولة انتهت، ولم تعد قائمة إلاّ في أذهان بعض المسؤولين المصرّين على تسخيف الحراك الجديد وتسطيحه.
تتلاشى، مع هذا التحول المفصلي، تلك “الصورة النمطية” التي “اخترعتها” الدولة ورعتها خلال العقود الماضية، عن أبناء المحافظات والعشائر، بأنّهم شريحة الأقل حظّاً وأبناء التعيينات الفوضوية، هذه الصيغة كانت نتاج الاختلالات البنيوية في السياسات الرسمية، وليست خياراً لهذه الشريحة الاجتماعية، وهي صيغة انتهت عملياً ورمزياً مع الحراك الأخير إلى غير رجعة، وقد أعلنت هذه الشريحة التمرد عليها. بينما تفكّر الدولة بحزمة من الحوارات للاتفاق على خريطة طريق مع المعارضة الإسلامية، فإنّ عليها أن تفكر في الوقت نفسه في حزمة أخرى من الالتزامات بإعادة هيكلة السياسات الاقتصادية والتنموية والبنى التحتية والخدمات الأساسية في المحافظات، لتعيد تأهيل القدرات الاقتصادية لهذه الشريحة الواسعة ورد الاعتبار لها، فهذا حقها الأساسي، وتحديداً في مجال التعليم والمهارات، ما يجذب الاستثمار ويخلق فرص عمل حقيقية، وليست وهمية، ويساهم في تحسين شروط الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية.

m.aburumman@alghad.jo

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. نحن مختلفون !
    مع كل التقدير لما قرأته في مقال الكاتب محمد أبو رمان المنشور هذا اليوم ، وما أراه بشكل يومي من تعليق الاعلام المحلي عن ( الحراك الشعبي) في الأردن، فقد تألمت ، في الآونة الأخيرة ، حينما أصبح ابراز الشأن الأردني يتصدر نفس القنوات الفضائية التي تتعرض لمايدور في أماكن أخرى من العام العربي ، لتنقل ، وباسهاب الصورة التي يصاحبها تعليق ( بتردي ) الحال عندنا ، واني أجتهد بأننا مختلفون .
    د. مصطفى شهبندر

انتخابات 2020
42 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock