اقتصادتحليل إقتصادي

تحويل الأزمة إلى فرصة في الأمن الغذائي والمياه

الدكتور مروان الرقاد*

شهد التاريخ تناميا واضحا للأزمات المائية والتي لا يمكن فصلها بأي حال من الأحوال عن الأزمة الغذائية إذ يقبع أكثر من ملياري شخص في العالم تحت وطأة الشح المائي ويعاني أكثر من مليار شخص من مشاكل في التغذية السليمة والمتكاملة.
وقد لعبت الصراعات الجيوسياسية والتغيرات المناخية والكوارث بمختلف اشكالها دورا رئيساً في تعميق الشح المائي والأزمات الغذائية حيث سجل ما يقارب من 500 صراع على مصادر المياه خلال الخمسة عقود الماضية، كما أدى تغير المناخ إلى إضافة اعباء إضافية على التزويد المائي والغذائي حول العالم وكانت المجتمعات الهشة والضعيفة الأكثر تأثرا بهذه الصراعات والتغيرات مما أدى لشح التغذية لأكثر من مليار شخص حول العالم اغلبيتهم من الاطفال والنساء حسب سجلات الأمم المتحدة. كما أدى التسابق لاستخدام الانهار العظمى لتوليد الطاقة إلى إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية مضيفا مزيدا من التوتر في الاحواض المائية المشتركة والتي كانت منذ القدم بيئة استقرار للشعوب لوفرة المياه والغذاء.
واليوم تبرز تحديات جديدة متمثلة بوباء كورونا المستجد الذي ضرب وبدون رحمة أكثر من 210 دول واقاليم غير مكترث بحدود سياسية أو طبيعية وواضعا البشرية أمام تحد حقيقي للبقاء. ومما لا شك فيه فأن الجنس البشري والذي صمد أمام تحديات اعظم سينتصر على هذا الوباء خلال بضعه أشهر ونعني هنا احتواء الوباء بشكل مباشر.
لكن الدارس للتاريخ والناظر للأمر بشمولية أكبر يرى أن الانتصار على انتشار الفيروس ما هو الا بداية لمعركة جديدة تواجه البشرية بعد أن القى الوباء ظلاله على شرايين الحياة المتمثلة بالمياه والانتاج الغذائي المرتبط به.
فحسب تصريحات منظمة الأمم المتحدة للاغذية والزراعة يعاني نحو 820 مليون شخص في أنحاء العالم من الجوع المزمن مما يجعلهم معتمدين على المساعدة الخارجية لكي يتمكنوا من العيش. ولا تستطيع هذه المجتمعات من تحمل أية عوائق جديدة لحصولهم على الطعام يمكن أن يتسبب بها هذا الوباء.
فخلال الازمة الحالية، ستؤدي حالات الاغلاق والحجر الصحي والذعر إلى تفاقم الازمة الغذائية حيث ستؤدي هذه القيود على الحركة إلى عدم قدرة المزارعين على ممارسة نشاطهم الزراعي وفي حال وصول المزارع لمزرعته فـانه سيواجه عجزا في تحصيل متطلبات الزراعة مثل الاسمدة والمبيدات وغيرها نظرا لتوقف مزودي هذه الخدمات عن العمل بسبب الاغلاقات والحجر الصحي. كما سنشهد نقصا في العمالة وعدم تمكن المزارعين من ايصال منتجاتهم إلى الأسواق وستكون المحصلة أزمة غذائية حادة. أما اذا أخذنا الثروة الحيوانية بعين الاعتبار كمصدر أساسي للبروتين، فأن هذا القطاع يقبع تحت مطرقة نقص تزويد الاعلاف وسندان التهديد الصحي حيث اثبتت الدراسات الحديثة امكانية انتقال وباء كورونا للحيوانات مما يضعنا أمام تحد صحي مباشر وقد يؤدي لعزوف المستهلكين ورعبهم من استهلاك المنتجات الحيوانية والذي قد يطال كامل سلسلة الإنتاج الحيواني وصولا للحليب والبيض.
وبالاطلاع على ما يكتب عالميا في هذا الموضوع سنجد توصيات واضحة للحكومات بضرورة “الأكل مما نزرع” واذا ما تم تطبيق هذا المبدأ بشكل فردي من قبل بعض الدول فاننا سنجد انفسنا أمام ازمة في المياه العابرة للحدود في الاحواض المشتركة. حيث ستسعى دول أعلى المصب لتكثيف استخدام المياه لتحقيق الاكتفاء الزراعي واضعين دول أسفل المصب امام تحديات جديدة من شح في المياه والغذاء.
كما ستتغير اتفاقات تجارة الغذاء والحبوب العالمية نظرا لرغبة الدول المنتجة بالحفاظ على امنها الغذائي المتأثر سلبا بهذه الجائحة ومن المتوقع ان تخفض بعض الدول المنتجة امداداتها من الغذاء والحبوب للدول المستهلكة.
والآن بعد ان اجتاح وباء كورونا العالم، تلوح فرصة لاعادة بناء الاقتصاد الزراعي والأمن المائي للمجتمعات من جديد حيث ان الجائحة قامت بتفكيك منظومة القوى المسيطرة على الدول والالتزامات المفروضة جراء تغول النظام العالمي والمبني على تحقيق المكاسب على الامن الغذائي والمائي للدول النامية خصوصا الأشد فقرا منها.
فمعظم ما كان صالحا من خطط والتزامات قبل الجائحة لن يكون صالحا بعدها ويجب أن يقوم مخططو الأمن المائي والغذائي باستثمار فرصة التحرر من القيود لبناء أمن غذائي يعتمد على تطبيق مفهوم الاكتفاء الذاتي مع اتاحة الفرصة لاستقطاب الاستثمار وفتح الشراكات مع القطاع الخاص. وأن نبتعد قليلا عن الايمان المطلق بنظريات العولمة والتي تهاوى اغلبها بمجرد خروج الفيروس من ووهان الصين مخترقا الحدود.
وستبلغ التأثيرات أوجها في الدول الأشد فقرا بالمصادر المائية والتي تعاني من تحد في موازنة حاجات الشرب واحتياجات الزراعة مثل الأردن والذي ضرب مثالا رائعا في إدارة المياه منذ عقود وتوجها بإدارة سليمة لنوعية المياه خلال جائحة كورونا الحالية.
ومن هنا فأن تأثيرات ما بعد الجائحة في الأردن ستحتاج لتطبيق مبادىء ادارة ما بعد الكارثة والتي تذهب باتجاهين حسب المفهوم العالمي لادارة الكوارث:
أولا: ان نعيد الوضع الى ما كان عليه ما قبل الكارثة واضعين انفسنا في مجال عال من الهشاشة قد لا يصمد في حال تكررت هذه الكارثة بشكلها الحالي أو بأشكال جديدة بفعل التغيرات المناخية مثل الجفاف الممتد أو الاستنزاف الشديد للمياه الجوفية والتي تسهم بأكثر من 60 % من الأمن المائي الأردني.
ثانيا: أن نعيد بناء مفهوم الأمن المائي والغذائي ليكون ذو منعة أعلى مما يضمن الاستقرار طويل الأمد ويحفظ حقوق أجيال المستقبل بتزويد مائي وغذائي آمن كما نصت أهداف التنمية المستدامة. وسنضع توصياتنا هنا للخيار الأكثر استدامة والذي سيفضي لأمن مائي وغذائي مستقل ومنيع قدر المستطاع كالتالي:
-التركيز على اللامركزية في الإنتاج الغذائي ودعم صغار المزارعين بالتوجه لزراعة محاصيل استراتيجية وبناء قدراتهم في مجال الري المستدام وتحسين الممارسات الزراعية اضافة لمساعدتهم في اختيار المحاصيل حسب نموذج اقتصادي يرفع الدخل للمزارع ويضمن استدامة الموارد المائية.
-دعم الصناعات الغذائية الخفيفة على المستوى المنزلي Home Based Business وايجاد روابط ونواظم بين صغار المزارعين وهذه الصناعات مما يضمن استدامة هذه المشاريع.
-تشجيع الصناعات الغذائية المتوسطة لاستيعاب الفائض في الانتاج الزراعي لبعض المحاصيل والذي أدى لخسائر فادحة للمزارعين ومثال على ذلك اعادة تشغيل مصنع رب البندورة في المفرق.
-التوجه لانشاء سلسلة من أسواق الخضار المركزية في كافة انحاء الممكلة مما يسهل على المزارعين ايصال منتجاتهم الى السوق بأقل تكلفة ووقت وخاصة المنتجات سريعة التلف ان انشاء مثل هذه الاسواق يضمن العدالة للمنتج والمستهلك من ناحية السعر والنوع كما يضمن وفرة المحاصيل الاستراتيجية على مدار العام.
-الحصاد المائي في الازرق والمفرق يقارب الـ 35 مليون متر مكعب يجمع نصفها في السدود الصحراوية القائمة بينما يضيع النصف الاخر بفعل التبخر. ان استغلال كامل الكمية سيكون كافيا لزراعة قرابة 100 ألف دونم من القمح مما سيسهم ايجابا في قطاعي الأمن الغذائي والتشغيل ناهيك عن الخدمات المرتبطة مثل النقل وتجارة الاسمدة والمبيدات والاليات الزراعية.
-بينما يستهلك أكثر من 100 مليون متر مكعب من المياه الجوفية العذبة في المرتفعات الأردنية لغايات الزراعة والتي تكون غير مجدية اقتصاديا في معظم حالاتها فأنه ينبغي التوجه للزراعات الملحية للمحاصيل العلفية وبالتالي حفظ المياه العذبة لغايات الشرب وري محاصيل استراتيجية أخرى.
-انشاء حواضن الابتكار الزراعي في المناطق الزراعية الرئيسة بحيث تكون مهمتها دعم المشاريع الزراعية الخلاقة والمبتكرة والتي تسهم في تشغيل ابناء المجتمع المحلي وتوفير المياه والاسهام في الأمن الغذائي.
-التوجه للزراعات المائية والتي توفر ما يقارب 90 % من استهلاك المياه وتعطي منتجات ذات جودة وقيمة اقتصادية عاليتين.
-تشجيع انشاء جمعيات مستخدمي المياه والمدارس الحقلية للمزارعين في المرتفعات الأردنية مما يسهم في ايجاد حلول للمشاكل المشتركة ويضمن تنظيم هذا القطاع الاستراتيجي.
-ايجاد انظمة الانذار المبكر من الكوارث للمزارعين وبناء قدراتهم للتصدي لاثار الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية.
-إعادة توجيه المياه العادمة المعالجة للمناطق الشرقية للتوسع في زراعة الاعلاف والمحاصيل الآمنة. حيث أن الوضع الحالي من توجيه معظم المياه العادمة المعالجة باتجاه وادي الأردن هو تصرف سليم من قبل الحكومة الأردنية. لكن الزيادة المتوقعة خلال العشر سنوات القادمة في انتاج المياه العادمة في المرتفعات سيؤدي لوجود كميات مياه اضافية لا يستطيع وادي الأردن استيعابها نظرا لعدم القدرة على التوسع في الاراضي الزراعية في وادي الأردن والمستغل بشكل كامل تقريبا. اضافة لذلك يجب انشاء محطات معالجة لمياه الصرف الصحي في وادي الأردن.
-استغلال مبادئ الدبلوماسية المائية لتحصيل الحقوق في الأحواض المشتركة وبالاخص حوض اليرموك الصاب في وادي الأردن وسيكون لذلك اثر في زيادة التزويد المائي لوادي الأردن وبالتالي امكانية خفض استخدام المياه العادمة المعالجة لتحقيق المقترح السابق.
-استغلال الزيادة في انتاج المحاصيل العلفية لدعم قطاع الانتاج الحيواني وبالتالي تخفيض الاستيراد وتشغيل المزيد من الأيدي العاملة إضافة لايجاد منتجات آمنة صحيا في ظل وجود شكوك بخصوص امكانية انتقال فيروس كورونا للحيوانات الداجنة.
-حاليا تضخ المياه الجوفية الى خارج الاحواض المائية كما هو الحال في حوض الأزرق الذي يزود مدينة الزرقاء وحقول آبار شرق المفرق التي تزود أجزاء من محافظة إربد. ان هذا السلوك يشعر ابناء المجتمع المحلي بالظلم في ظل التشديدات الحكومية المبررة على الاستخدام الزراعي وحفر الآبار في هذه المناطق. وهنا نوصي ان يتم تخصيص مقابل مالي لكل متر مكعب يضخ خارج الحوض بحيث يستخدم هذا العائد للتنمية الزراعية وتحسين استخدامات المياه في الحوض المصدر للمياه مما سيسهم في تحقيق السلم المجتمعي كما سيوفر من استخدام المياه الزراعية في هذه الاحواض نظراً لتحسن الممارسات الزراعية.
-توجيه الدعم الدولي في مجال المياه والزراعة ضمن سياسة واضحة تضمن تحقيق آثار مباشرة على أرض الواقع تنعكس ايجابا على القطاع الزراعي واستدامة المياه اضافة لاشراك القطاع الخاص مما يضمن الاستدامة.
-زيادة الانفاق على البحث العلمي وتوجيهه لتحقيق أهداف التنمية المستدامه وبالاخص الهدفين الثاني والسادس.
وختاما، فإن البيئة الأردنية والمواطن الأردني مؤهلين لاحداث مثل هذا التغيير والذي سيضمن الاستقرار والمنعة في وجه التحديات القادمة ويضع الأردن في مواقع متقدمة من الادارة المستدامة للموارد وبالتالي كمركز اقليمي ومزودا للخبرات والخدمات لدول المنطقة اخذين بعين الاعتبار تميز الأردن كملاذ آمن ومركز تفاهم وثقة لكافة دول العالم.

*المدير التنفيذي للشبكة الإسلامية لتنمية وإدارة مصادر المياه

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock