ترجمات

تحوُّل الطاقة: ثورة جديدة في الشرق الأوسط

جون ب. ألترمان* – (مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية) 22/7/2021
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

عائدات النفط والغاز هي التي تعمل على دفع اقتصادات منطقة الشرق الأوسط، حيث تتكون المنطقة بالكامل تقريبًا من الدول المصدرة للطاقة والدول المصدرة للعمالة. وترسل الدول الفقيرة العمال إلى الدول الغنية، بينما يرسل العمال المليارات إلى عائلاتهم في أوطانهم. كما أن الاهتمام الاستراتيجي العالمي بالمنطقة مرهون بإنتاج الطاقة. ومن المهم الآن بشكل خاص فهم أن الكيفية التي سيتطور بها واقع الطاقة تتجاوز قدرة حكومات الشرق الأوسط على تشكيلها. سوف تأتي الدوافع الرئيسية لتحول الطاقة العالمي من خارج المنطقة.

  • * *
    حسب ما يمكن سماعه من وصف الناس لما يحدث، فإن التحول العالمي في الطاقة بات وشيكاً. فقد أدى انتشار الوعي بتغير المناخ إلى حث المستهلكين والحكومات على حد سواء على الجدية في التخلي عن الهيدروكربونات. وقرأ العالم المالي العاطفة الجديدة وتحرك مبتعداً عن النفط والغاز. ويقوم المستثمرون الآن بضخ المليارات في مصادر الطاقة المتجددة، وترى الصين الطاقة المتجددة على أنها ضرورة للأمن القومي. وقريبًا، سيتجاوز إنتاج النفط حجم الطلب. ومع انخفاض الأسعار، سينتج المنتجون المزيد منه لتعويض القيمة المنخفضة، ما يؤدي إلى مزيد من الضغط على الأسعار. سوف تسقط أسعار النفط من على حافة منحدر.
    لكن هناك وجهة نظر بديلة تقول إن تحول الطاقة سوف يستغرق عقودًا، وتضمن البنية التحتية المصممة لاستهلاك الهيدروكربونات سوق نفط قويًا لسنوات عديدة. وبينما تحظى السيارات الكهربائية بالاهتمام، فإن ما يقرب من 90 في المائة من مبيعات السيارات الجديدة ما تزال تعمل بالبنزين، وما يزال شحن البنية التحتية بالطاقة الجديدة بعيداً، على بعد مليارات الدولارات وعقود من الزمن. ولدى المنازل الحالية أفران ومواقد تعمل بالغاز، وسوف تستمر لعقود. ويعتمد كل وقود الطائرات في العالم تقريبًا على البترول، كما أصبح العالم أكثر اعتمادًا على المواد البلاستيكية المشتقة من النفط. كل هذا إذا لم نقل أي شيء عن العالم النامي، حيث يعيش معظم سكان العالم، الذي يعمل غالبًا في هوامش اقتصادية أصغر من الدول الأكثر ثراءً. ويزداد استهلاك هذه البلدان بشكل حاد مع زيادة الدخل، ومن المرجح أن تعتمد على المعدات والتكنولوجيا الحالية لفترة أطول. وفي حين أن الأثرياء يمكن أن ينفقوا الآلاف على المنتجات الخضراء، فإن النفط والغاز سيظلان الوقود المتاح وميسور التكلفة لكثير من سكان العالم.
    هناك حجج معقولة لكل من هاتين النظرتين، ولا يمكن لأحد أن يعرف بأي قدر من اليقين كيف ستتكشف التكنولوجيا أو التنظيم، أو سلوك المستهلك. وبالنسبة للشرق الأوسط، فإن أي سيناريو يقترب من التحقق ستكون له أهمية بالغة. فعائدات النفط والغاز هي التي تعمل على دفع اقتصادات المنطقة، حيث تتكون المنطقة بالكامل تقريبًا من الدول المصدرة للطاقة والدول المصدرة للعمالة. وترسل الدول الفقيرة العمال إلى الدول الغنية، بينما يرسل العمال المليارات إلى عائلاتهم في أوطانهم. كما أن الاهتمام الاستراتيجي العالمي بالمنطقة مرهون بإنتاج الطاقة. وسوف يُبقي الدِّين والسياحة المنطقة في أذهان الناس العاديين، أما بالنسبة للحكومات، فإن الأهمية غير القابلة للاختزال للمنطقة تأتي من نتاج أسواق الطاقة العالمية.
    تستند فكرة أن أسعار النفط ستسقط من على منحدر إلى فكرة أن النفط هو سوق، حيث يمكن حتى للاختلالات الصغيرة أن تخلّف عواقب اقتصادية كبيرة. ويبلغ استهلاك النفط العالمي اليوم حوالي 100 مليون برميل في اليوم، ولدى النظام قدرة قليلة نسبيًا على إنتاج المزيد. وعندما هدد الاستهلاك بتجاوز العرض في العام 2008، وصل سعر النفط إلى 140 دولارًا للبرميل الواحد. وعندما أدت جائحة “كوفيد – 19” إلى كبح الطلب في ربيع العام 2020، بدأ مخزون العالم في النفاد، وانخفضت أسعار النفط. وتلقت المملكة العربية السعودية الضربة الأكبر، حيث خفضت الإنتاج بنحو 20 في المائة بينما استمرت الأسعار في الانخفاض دون 30 دولارًا للبرميل، أي أقل من نصف مستواها السابق. واستغرق الأمر أكثر من ستة أشهر من إنتاج النفط العالمي المنخفض للتكيف مع زيادة العرض.
    من شأن حدوث انخفاض مستمر في الاستهلاك العالمي للنفط، مهما كان صغيراً، أن يضغط على دول الخليج لزيادة الإنتاج في محاولة لإخراج المنتجين ذوي التكلفة المرتفعة من السوق والتأكد من عدم تركهم حتى مع براميل منخفضة القيمة في الأرض عندما يستمر الاستهلاك في الانخفاض. ويفسر هذا جزئيًا الخلاف حول الإنتاج الذي حدث هذا الشهر بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.
    لا نعرف بعد من سيكون الرابحون والخاسرون في العقد المقبل في الشرق الأوسط. قد تعوض الكميات المتزايدة من المنتجين ذوي التكلفة المنخفضة انخفاض الأسعار، ما يؤدي إلى تركيز استراتيجي متجدد على المنتجين في الشرق الأوسط. وكبديل عن ذلك، ربما يقع عبء ضبط السوق على عاتق المنتجين في الشرق الأوسط، الذين سيحتاجون إلى تقييد الإنتاج لمنع الأسعار من الانهيار. وسوف تكون الكيفية التي تتكشف بها هذه الأمور بالغة الأهمية.
    كانت الحكومات في جميع أنحاء الشرق الأوسط تستعد لعالم ما بعد النفط لسنوات، لكنها ما تزال بعيدة عن تحقيق أهدافها. في دول الخليج، سيستغرق الانتقال من العمال ذوي الإنتاجية العالية والأجور المنخفضة الذين يدعمون جهود العمال ذوي الإنتاجية المنخفضة والأجور المرتفعة سنوات طويلة. ويجهد القطاع الخاص لتوفير فرص عمل للوافدين الجدد إلى القوى العاملة، وتتجاوز بطالة الشباب 30 في المائة في العديد من البلدان. ويشكل اغتراب الشباب مشكلة تدرسها كل حكومة في العقد الذي تلا الانتفاضات العربية. وهي مشكلة لا تعتقد أي حكومة بأنها تسيطر عليها بطريقة صارمة.
    وسوف يكون تحول الطاقة مهمًا لما هو أكثر من الشرق الأوسط وحده. فأمن الطاقة يدفع الكثير من الاستثمارات الأخيرة للصين في المنطقة. وإذا قررت الحكومة الصينية أن أمن طاقتها سيأتي من المناجم في إفريقيا وليس من آبار النفط في الشرق الأوسط، فيجب أن نتوقع تحول اهتمام الصين ورأس مالها بعيداً عن المنطقة. وإذا كان هناك دور أكثر ديمومة للنفط والغاز في صورة الطاقة العالمية، فمن الممكن حدوث المزيد من الخلاف بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ الإقليمي. وأخيرًا، من الممكن أن تبتعد الدول الغربية عن الهيدروكربونات لأسباب بيئية، بينما تظل الصين والعالم النامي ملتزمين بها لأسباب اقتصادية. وقد يتجلى هذا في صورة تخلي الولايات المتحدة عن دورها المستقبلي في الشرق الأوسط، مع تولي الصين الكثير من زمام الأمور.
    الشيء الذي من المهم فهمه الآن بشكل خاص هو أن الكيفية التي سيتطور بها هذا الواقع تتجاوز قدرة حكومات الشرق الأوسط على تشكيلها. سوف تأتي الدوافع الرئيسية لتحول الطاقة العالمي من خارج المنطقة. وسيكون لها تأثير عميق داخل المنطقة، وسوف تحدِّد طريقة ارتباط المنطقة ببقية العالم. وكما يُسمَع من الناس الذين يتحدثون عن ذلك، فقد يكون هذا التغيير عميقًا، وقد يأتي قريبًا جدًا.

*Jon B. Alterman: النائب الأول للرئيس، وأستاذ كرسي زبيغنيو برجينسكي للأمن العالمي والاستراتيجية الجيولوجية، ومدير برنامج الشرق الأوسط في في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: A New Revolution in the Middle East

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock