أفكار ومواقف

تحية لمبادرة “يلا عالبلد”

عمل طيّب وخيّر عكس الروح الإيجابية في مجتمعنا دعا لمغادرة التلاوم وعمل شيء لمساعدة أبناء الأردن من التجار الذين تضرروا من السيول الغزيرة الأخيرة. أيادٍ أردنية وشباب مبادر خرجوا بفكرة “يلا عالبلد” لإحلال العمل بدل الكلام والجدل، والإيجابية بدل الإغراق في السوداوية. غير معروف أثر تلك الحملة المالي على التجار، ولا ان كانت حققت هدف إنقاذهم من الخسائر العينية التي تكبدوها. لكن، وعلى أهمية الأثر المالي للحملة، إلا أن الأثر المعنوي لهذه المبادرة تعدى أبعادها المادية بكثير، وأظهر معدن المجتمع الأردني المليء بمعاني النخوة والإيثار، وحتما أشعر تجار وسط البلد بوقوف أبناء بلدهم معهم في محنتهم.
ما حدث في وسط البلد آلمنا جميعا، وسادت لحظات غاب فيها صوت المنطق الموضوعي في التعاطي مع الحدث وتقييمه وتسبيبه وسط أنين التجار وخسائرهم. الدرس الأساسي المستفاد مما حدث ضرورة أن يكون هناك اشتباك توضيحي يضع الأمور في نصابها الدقيق بعيدا عن حملات التلاوم والتشكيك. توضيحات ميدانية وليس سياسية تجيب على هواجس الناس وأسئلتهم المشروعة بدقة وبشكل مباشر وبأسلوب علمي. وحسنا فعل المعنيون والأصوات المحايدة باستحضار حالات شبيهة من دول أخرى أغنى من الأردن عانت من موجات مناخية كبدتها خسائر كبيرة. هذا لا يعني ألا تكون هناك محاسبة للمقصرين، ولكن ليس على قاعدة أكباش الفداء بل ضمن تقييم موضوعي سريع ذي مصداقية.
مبادرات عديدة تعكس ما في مجتمعنا من خير؛ شباب ينشرون أرقامهم للمساعدة في أحوال الطقس الصعبة بسياراتهم المهيئة لذلك، آخرون يبادرون لتنظيف الأماكن السياحية والحدائق العامة، شابات وشباب يتطوعون لتدرس العلوم واللغات في مناطق الأردن الضعيفة تعليميا، وفئات أخرى تقوم بأعمال تطوعية قطاعية عديدة تجسيدا لقيم العطاء والتكافل المجتمعي. هذه عينة محدودة من أمثلة كثيرة، وغيض من فيض لكثير من الخير الموجود في مجتمعنا، والذي تعمل جهات رسمية وأهلية عديدة على مأسسته. فضيلة التطوع والمبادرة والعطاء بدون مقابل لمن استطاع ذلك تغذي مجتمعنا وتقويه، وتنشر فيه الخير والمحبة والتسامح، وتمنح المتطوع رضا عن النفس.
مفهوم “العونة” والتكاتف من أنبل القيم المجتمعية الأردنية التي سادت وما تزال في مدننا وقرانا وبوادينا ومخيماتنا، وما أحوجنا اليوم لاستدعاء هذه القيم واستحضارها، فخيرها علينا جميعا لا حدود له. مبادرة “يلا عالبلد” جسدت هذه القيم وابتعدت عن كل الأبعاد السياسية التي صاحبت السيول، وأثبتت أن قيم المجتمع أكبر من السياسة وتجاذباتها، كما أثبتت أيضا أن الأردنيين كبار وأنهم أكثر صلابة من جميع الازمات، وما الأعداد الغفيرة التي أمّت وسط البلد إلا دليل حي على ذلك.
تحية لمن بادر ومن استجاب وشارك، ودعوة لكل من يستطيع ألا يبخل على بلده ومجتمعه بالمبادرة والاشتباك لما فيه خير الأردنيين، وليتعلم السياسيون من هذه الروح الإيجابية المعطاءة التي طالما كان الأردن رائدا فيها.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock