قضايا

تخطيط الموارد المائية في الشرق الأوسط

 أدريان بريدجوتر*

لطالما شكل التخطيط لإدارة الموارد المائية جزءًا من الهندسة المدنية للبنية التحتية في الشرق الأوسط. ولكن ما الاختلاف في إدارة الموارد المائية على المدى القريب والمتوسط والبعيد؟ وهل يتعلق الأمر باكتشاف المياه أم إمداداتها أم إدارتها أم توزيعها؟ ومسؤولية من يجب أن تكون؛ القطاع العام أم القطاع الخاص؟
نشأة تقنيات المياه في العالم العربي
بدأ استخدام تقنيات المياه في العالم العربي منذ وقت طويل، حيث شهدت تطورًا من استخدام أنظمة التوزيع التقليدية القائمة على القنوات أو الأفلاج، إلى وسائل أكثر حداثة للريّ وتحلية مياه البحر وإدارة الخزانات المائية. ولكن رغم ذلك تظل قضية المياه في الشرق الأوسط، مسألة حساسة، لا بل مسألة وجودية.
بالفعل، أثارت مسألة المياه في المنطقة مواجهات سياسية ومخاوف من اندلاع الصراعات والتعرض للضغوطات الاقتصادية والتجارية. وهذا يؤكد أن هذه المسألة سوف تحتاج إلى تكريس جهود واسعة في التخطيط الاستراتيجي والتكتيكي للموارد المائية في المنطقة لضمان تمكن سكان المنطقة من الوصول إلى الأنهار والبحيرات والآبار الارتوازية التي يحتاجونها للبقاء.
في هذا الإطار، تبرز اختلافات واضحة في طريقة تخطيطنا للموارد المائية في العالم العربي على المديين القريب والبعيد. والسؤال البارز الذي يطرح نفسه هنا هو: ما هي إجراءات الضبط التي يجب اعتمادها وفي أي إطار زمني… وهل يجب أن تكون جزءًا من مبادرة صادرة عن القطاع الخاص أم القطاع العام؟
وبشكل عام، من المتفق عليه أن تتضمن خطط الموارد المائية على المدى القريب آليات أو إجراءات يتم اتخاذها وملامسة أثرها خلال مدّة لا تتجاوز خمس سنوات. وقد تشمل العمليات المنفذة في هذا الإطارمستوى معيناً من المراقبة والتوقعات الهيدرولوجية، وهو العلم الذي يركز على خصائص المياه وحركتها نسبةً إلى الأرض.
من النقاوة إلى التعكر
تتضمن الأعمال الفورية الرامية إلى إدارة الموارد المائية على المدى القريب دراسات الطقس ودراسات التغير المناخي واستخدام المعلومات الهيدرومناخية، مثل حرارة المياه ودرجة الحموضة والكثافة ومستوى التعكر (تكدر أو وجود شوائب داخل الجسم المائي).
أمّا التخطيط الأكثر إلحاحًا، أو بتعبير آخر إدارة الموارد المائية على المدى القصير جدًا، فهويضمّ الإجراءات التي تتخذها الحكومة أو غيرها من هيئات القطاع العام وتهدف للتواصل مع السكان حول ترشيد استخدام المياه.
فحين يطلب من السكان ترشيد استخدام المياه في أوقات الجفاف، غالبًا ما تكون النصائح الموجهة إليهم بسيطة إلى حدّ ما، مثل أغلق صنبور المياه أثناء تنظيف الأسنان أو ركب جهازًا لحصر تدفق المياه في الدشّ أو أصلح صنابير المياه التي تسرب الماء وغير ذلك …
وعلى الرغم من أهمية هذه المقترحات التي تطبق في الحالات المثالية، فإن تركيب جهاز لحصر تدفق المياه في الدشّ، ليس من أولويات السكان في بعض المناطق الأكثر فقرًا في مصر أو المغرب على سبيل المثال، فالمتطلبات الملحةللبقاء على قيد الحياة وتأمين متطلبات العائلة تأتي غالبًا قبل أي اعتبار بيئي بالنسبة لهم.
معالجة مشاكل المياه من المصدر
من هذا المنطلق، اتخذت الحكومات والمؤسسات البحثية خطوات بعيدة المدى أكثر فعالية، مباشرةً من المصدر.
ففي نهاية فترة الخمسينيات من القرن الماضي، شيّد سدّ نهر الليطاني الذي يعتبر أكبر بحيرة اصطناعية في لبنان، وتلاه بناء سدّ أسوان العالي في مصر في الستينيات، مع أن الهدف منه كان التحكم بنمط تدفق النيل أكثر من تأمين مصادر جديدة للمياه. وفيما يعتبر سدّ حتّا في الإمارات العربية المتحدة صغيرًا مقارنةً بالسدود الأخرى، فقد شهدت إمارة الشارقة أنشطةً تطويرية ضخمةً في سدّ الرفيصة، ما يجسد نظرية “الذيل الطويل” (أي تحقيق المنفعة بعيدة المدى) في إدارة الموارد المائية.
ولكن إلى حين معالجة الاتجاهات على المدى البعيد، فإن تحدّي الطبيعة يظلً أمرًا بالغ الصعوبة.
فمثلاً، البحر الميت الذي ينخفض 420 مترًا عن سطح البحر، بات يسجل انخفاضًا إضافيًا نتيجة الانحسار الطبيعي للمياه بفعل الحفر الانهدامية المليئة بالأملاح. كذلك، بدأت الآبار الارتوازية الضرورية للحياة في الإمارات بالانحسار، إلى درجة أن العلماء حذروا من نفاد سطح المياه الجوفية بالكامل بحلول العام 2030.
مشكلة شرق أوسطية وعالمية
لهذه المشكلة امتدادات أعمق وأوسع. إذ تشير بعض التقارير الصادرة عن الأكاديمية الوطنية للعلوم إلى أن الجفاف الذي ضرب سوريا بين عاميّ 2007 و2010 كان له دور بارز في تأجيج النزاع في البلاد. وبعيدًا عن النطاق القطري، يستورد الشرق الأوسط كميات كبيرة من الغذاء من مناطق أخرى في العالم، لا سيما من منطقة وسط غرب الولايات المتحدة. لذلك إن أصاب الجفاف منطقةً واحدةً في العالم، فقد يؤثّر ذلك بشكل كبير على أسعار الغذاء في العالم العربي ويكون له نتائج غير متوقعة.
فكيف نعالج مسألة التخطيط للموارد المائية؟ ومن هي الجهة التي يجب أن تتولّى ذلك؟
من المعروف أن الإمارات درست مدى جدوى إنشاء جبل من صنع الإنسان لتحفيز تساقط الأمطار في المناطق الصحراوية. فالجبال تعترض الحركة العامة للهواء وتجبره على الارتفاع ما يؤدي إلى تكوّن السحب. وحين يحصل ذلك، يمكن “تلقيح” السحابة، أي اخضاعها إلى عملية تعديل مناخية تزيد كمية الأمطار التي تنتجها. إلا أن نتائج مثل هذه العملية لا تزال غير واضحة المعالم.
وبشكل عام، تركز المؤسسات البحثية العاملة في مجال المياه، على بحوث غير مؤكدة النجاح (مثل تلقيح السحاب) بدلًا من اعتماد مقاربة ذات تطبيق مباشر لحلّ المشاكل. وفي هذا السياق، تقف الجامعات ومراكز الأبحاث خلف هذه الأفكار الجديدة والمبتكرة، فيما تعنى البلديات بالأعمال اليومية المتعلقة بتأمين المياه وإصلاح التسريبات والفواتير وغيرها.
ويمكن الاطلاع على العديد من دراسات الحالات التي تلقي الضوء على الجدل الدائر بين القطاع الخاص والعام. وتشكل فرنسا مثالاً جيدًا في هذا الشأن، إذ تنشط الشركات الخاصة العاملة في مجال المياه في البلاد منذ القرن التاسع عشر. وقد أفادالمنتدى العالمي للمياه، أنه في فرنسا مثلاً، تلجأ البلديات الكبرى إلى القطاع الخاص للتعاون في مشاريع المياه، في حين تفضل البلديات في المناطق الريفية إدارة خدمات المياه بنفسها.
في أي منطقة في العالم، تستفيد الهيئة العامة المعنية بإدارة المياه من وفورات حجم المياه بشكل أكبر، ولكن في المقابل تكون المؤسسات الخاصة قادرة على تقديم خبرات متخصصة في الظروف الصعبة. كذلك، تصل الهيئات العامة إلى التمويل الناجم عن استثمارات رأس المال الجديدة بشكل أبطأ مقارنةً بمؤسسات المياه الخاصة. ولكن هل تكرّس الشركات الخاصة ما يكفي من الاهتمام لنوعية مياه الشرب في حين لا تشكّل الصحة العامة أي جزء من تفويضها التشغيلي الأساسي؟
وانطلاقًا مما سبق، لعل الشراكة بين القطاعين العام والخاص هي المنهجية الأفضل في إدارة الموارد المائية؟ ولكن ذلك ما زال في رحم التكهنات.
العامل البشري
إن وضعنا جانبًا المقترحات حول المؤسسات الاقتصادية ومشاريع التطوير التكنولوجية المشتركة بين القطاعين العام والخاص، فإن خطط الموارد المائية على المدى الطويل في الشرق الأوسط ستتمحور دائمًا حول السياسة والسكان والسلام.
وفي هذا الاطار، سلط المدير التنفيذي لمبادرة حوض النيل في كينيا جون روا نياورا الضوء في كلمة ألقاها في عمّان في مارس 2015 على اتفاقية الأمم المتحدة ﻟﻌﺎم 1997 ﺑﺸﺄن قانون استخدام اﻟﻤﺠﺎري اﻟﻤﺎﺋﻴﺔالدولية، والتي تنص على إمكانية الاستخدام المتساوي والمعقول للموارد المائية المشتركة واستخدامها في أراضيها شرط ألا يتسبب ذلك بضرر سلبي كبير على أي من “دول الحوض”. ودول الحوض هي الأراضي الموجودة على مستوى أقل انخفاضًا من جيرانها بالنسبة لإمدادات المياه، من الناحية الجغرافية.
ويطبّق حكم الأمم المتحدة هذا حتى في أوقات الحرب، والنزاعات والاضطرابات السياسية.
دبلوماسية المياه للمستقبل
إنّ مستقبل المياه في الشرق الأوسط يتعلّق بالتخطيط، والناس، والسياسات في حال الرغبة بعدم الوصول إلى وضع انعدام الأمن المائي، أي حين لا نعد نعرف من أين نؤمّن كلّ قطرة مياه نحتاجها.
وكما ورد في دراسة انعدام الأمن المائي في منطقة الشرق الأوسط التي أجراها مركز الأبحاث “استراتيجيك فورسايت غروب”، فإنّ “انعدام الأمن المائي يتعلق بعدم القدرة على مواجهة الأزمات الناشئة عن الديناميكية المائية. ويشمل ذلك مدى توفر وإمكانية الحصول على المياه، خصوصا في أوقات الكوارث، سواء كانت طبيعية أو التي يتسبب بها الإنسان. كما أنّ الجفاف المستمر، والصراعات العنيفة، والاستخدام غير المستدام للمياه الجوفية وحتى اختلال توازن القوى بين الجنسين… يساهم في انعدام الأمن المائي”.
ولعل الأهم في الشرق الأوسط اليوم، هو أنّ نقص المياه يشرّد الناس وهذا هو القانون الأساسي للفيزياء البشرية الذي يجب تذكره. ومهما كانت الجهة التي ستكلّف بتولي مسؤولية إدارة إمدادات المياه في المستقبل، فهي ستحتاج لسلطة القطاع العام، وحاجة القطاع الخاص الاقتصادية للإنتاج، وحياد الأمم المتحدة، والتحفيز الديني لتقديم حاجات الإنسان على أي مكسب سياسي أو مالي. ومما لا شك فيه أن ذلك يضم حجمًا كبيرًا من المهارات، التي لا يمكن تجاهل أي منها، لذا من المهم تحقيق التوازن فيما بينها.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock