ترجمات

تخفيض التواجد العسكري الإماراتي في اليمن: الأسباب والتداعيات

إلينا ديلوجر* – (معهد واشنطن لدراسة الشرق الأدنى) 3/7/2019

غالباً ما يقول القادة العسكريون في الإمارات العربية المتحدة إن شعارهم هو “إصلاح المشكلة أو الخروج منها”. ومن وجهة نظرهم، فإن الخيار الأسوا هو التريّث والمجازفة في دخول مأزق من دون مخرج حين تردع الظروف إمكانية إيجاد حلٍ عسكري. فمنذ أن تم طرد المتمردين الحوثيين إلى حد كبير من جنوب اليمن قبل عاميْن، دارت المعركة الأساسية للإمارات مع المجموعة المدعومة من إيران في الحُديدة، وهي محافظة غربية تمتد على طول البحر الأحمر. ومع توقّف المعارك الكبيرة هناك في الوقت الذي تركّز فيه “الأمم المتحدة” على المفاوضات، يرى الإماراتيون أن استمرار تواجدهم في اليمن لا يشكّل سوى ذلك النوع من التريث الذي يريدون تجنبه. وهكذا، بدؤوا عمداً بسحب قواتهم من معظم أنحاء البلاد، مستثنين قواتهم الخاصة بمكافحة الإرهاب.
ومن غير المرجح أن تُعلن أبوظبي عن هذا الرحيل بأي عبارات رسميّة نظراً إلى الحساسيات مع جارتها وشريكتها في التحالف؛ المملكة العربية السعودية، بعد أن اشتدّت هذه الحساسيات بعد الهجمات الأخيرة على البنية التحتية الأساسية للمملكة، بما فيها خطوط الأنابيب وأحد المطارات. لكن مسؤولين إماراتيين عدة أقدمَوا على الإعلان عن هذا الرحيل بصورة خاصة واستباقية.
أين يحدث تخفيض التواجد العسكري؟
تقول مصادر الإمارات إن الوحدات الإماراتية أصبحت 100 في المائة تقريباً خارج مأرب، و80 في المائة تقريباً خارج الحديدة، وهي تبدأ بالانسحاب من عدن، تاركةً الرقابة المحليّة للقوّات اليمنيّة التي درّبتها (أي “الحزام الأمني” و”قوات النخبة”). وتؤكّد المصادر اليمنية على الأقل جزءاً من تخفيض التواجد العسكري من عدن. وكذلك، تراجعت نسبة ضباط الأركان الإماراتيين في قاعدة العمليات الأمامية الرئيسية في مدينة عصب الإريترية بحوالي 75 في المائة في الشهرين الماضيين، ومن بينهم جنود قاموا بتدريب القوات اليمنية.
ما يزال حجم تخفيض التواجد العسكري في بعض المناطق غير واضح؛ وعلى سبيل المثال، تزعم المصادر اليمنية أنه لا يوجد انسحاب واضح في محافظة شبوة؛ حيث يتواصل القتال على المقاطعات النفطية في بيحان. وعلاوة على ذلك، سوف تبقى قوات المرتزقة التي تموّلها الإمارات، والتي تشمل ما لا يقل عن 10.000 مقاتل سوداني مدعومين من قاعدة عصب، موجودة لدعم الجيش اليمني. وربما الأهم من ذلك، ستستمر قوات الإمارات في تنفيذ عمليات لمكافحة الإرهاب من قاعدتها في المكلا؛ المدينة التي حررتها من مجموعة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية في العام 2016.
التحول الاستراتيجي
كان تخفيض التواجد العسكري يحدث بهدوء منذ شهور ولم يكن نتيجة الازدياد الصغير الأخير في الهجمات التي يقودها الإيرانيون والحوثيون في منطقة الخليج، والتي استهدفت بعضها المصالح الإماراتية. وبالأحرى، يبدو أن ما أثار هذا التخفيض –جزئياً على الأقل- هو “اتفاقية استوكهولم” في كانون الأول (ديسمبر) 2018، التي حوّلت التركيز في محافظة الحُديدة من الحل العسكري إلى الحل عن طريق التفاوض.
يتوافق التخلي عن القتال ضد الحوثيين والتركيز على مهمة مكافحة الإرهاب مع مغزى دور الإمارات الأكثر محدودية في اليمن. فقد كانت أهداف أبو ظبي هي دفع المتمردين إلى خارج الجنوب، ومكافحة النشاط الإرهابي لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية والجهات الفاعلة الأخرى، وتدريب القوات المحلية على تولّي كلا الدورين. وبالفعل، تم دفع الحوثيين إلى خارج الجنوب بحلول العام 2017، وظلوا إلى حدٍ كبير خارج المنطقة. كما اشتركت الإمارات مع الولايات المتحدة واليمن لإنشاء بيئة عمليات صعبة لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، فأبقت هذه المجموعة ضعيفة من خلال مواصلة عمليات مكافحة الإرهاب في محافظات مثل البيضاء وأبيَن. وتؤكد السلطات الإماراتية الآن أن القوات المحلية التي درّبتها قادرة على توفير الأمن بنفسها، ربما باستثناء مجال مكافحة الإرهاب، حيث تقول أبوظبي إنها ستبقى منخرطة.
باختصار، تَعتبر الإمارات أن تخفيض تواجدها العسكري لا يأتي فقط بسبب الإرهاق من الحرب، ولكن أيضاً بسبب اكتمال مهمتها إلى حدٍ كبير في الجنوب، وتولّي مفاوضي “الأمم المتحدة” مسألة النزاع مع الحوثيين بدلاً من القوات العسكرية للتحالف. إلا أن المراقبين الخارجيين غالباً ما يكونون أقل سخاءً في نظرتهم لقرارات الإمارات وجهودها. فقد أشار أحد الدبلوماسيين الأميركيين السابقين ممن لديهم خبرة في المنطقة إلى أن تخفيض التواجد العسكري هو على الأرجح “إدراك عملي لعدم قدرتهم على التحمل أكثر -عسكريّاً وماليّاً، والأهم سياسيّاً- في ظل الوضع الراهن من هذا المأزق الدموي”. وفي غضون ذلك، لا يُبدي المختصون العسكريون الأميركيون الذين يتمتعون بخبرة ميدانية في اليمن تفاؤلاً من ناحية قدرات القوات المحلية. ويشعر الكثيرون أيضاً بالقلق من أن يكون المدرّبون العسكريون الإماراتيون قد أنشؤوا أساساً قوة عسكرية موالية لاستقلال الجنوب، والتي لا تخضع لسيطرة الحكومة اليمنية، وهو وضعٌ قد يؤدّي إلى نزاع مستقبلي في الجنوب.
الاحتكاك مع السعوديين
من شبه المؤكد أن قرار الإمارات يتسبب في توترات مع الرياض، التي يتعيّن عليها الآن إعادة التفكير في نهجها الخاص المعتمَد في الحرب. ففي السابق، كبَتَ الإماراتيون شعورهم بالإرهاق من الحرب وواظبوا على الحفاظ على جبهة موحّدة مع السعوديين. وكانت تلك الذهنية تتماشى مع النزعات الثقافية النموذجية حول إبداء الولاء. ولكن يبدو أنها تغيّرت لسببٍ أو لآخر، مهددةً بكشف الانشقاقات وإحداث المزيد من التوترات خلال فترة من الحساسية المتنامية في الخليج. ويجب على المسؤولين الأميركيين التواصل بنشاط مع كلا الطرفين والحكومة اليمنية للمساعدة في صياغة طريقٍ متفق عليه للمضي قدماً ودرء أي خلافات محتملة على المدى الطويل بين الإماراتيين والسعوديين.
سيكون أي انشقاق من هذا النوع بين الشريكيْن الخليجييْن مثار قلق، وإنما غير مفاجئ. فعلى الرغم من الحفاظ علناً على وجهٍ مشترك، إلّا أن قوّاتهما في اليمن لا تعمل عموماً جنباً إلى جنب، وإنما تتقاسم المسؤوليات. وعادةً ما ينفّذ السعوديون العمليات في شمال البلاد بينما ينفّذها الإماراتيون في جنوبها، وعندما يدخل أحدهما المنطقة المقابِلة، يغادر الآخر. وعلى سبيل المثال، عندما سيطر الإماراتيون على العمليات في محافظة الحديدة، تراجع تواجد السعوديين ليصبح رمزيّاً؛ وعندما دخل السعوديون إلى محافظة المهرة، غادر الإماراتيون -حتى أن تواجد ضبّاط اتصال في وحدات بعضهما بعضا غالباً ما يبدو رمزيّاً. ويبدو أن واقع عدم تلاقي القوتين في معظم الأحيان أمرٌ متعمد، مما يثير تساؤلات حول الآراء الإماراتية بشأن الكفاءة العسكرية السعودية.
وبالمثل، في حين تتشارك أبوظبي والرياض وجهة النظر العامة نفسها إزاء التهديدات الإقليمية، إلّا أن هذه التهديدات لا تحتل المراتب نفسها على سلّم أولوياتهما، بما في ذلك في اليمن. وعلى سبيل المثال، تشدد الإمارات على محاربة جماعة الإخوان المسلمين أكثر من السعودية، ويبدو أنها أقل قلقاً بشأن تمكين الانفصاليين الجنوبيين. كما تعاملت مع التهديد الإيراني بشكلٍ مختلف خارج اليمن؛ حيث ألقت الرياض باللوم على طهران بشكلٍ مباشر عن الهجمات الأخيرة على السفينتين بينما امتنعت الإمارات عن توجيه الاتهامات المباشرة.
إذا بدأ وجههما العلني الموحَّد في التلاشي، قد تتفاقم الاختلافات القديمة بين الحكومتين. ولذلك يتعيّن على الولايات المتحدة العمل مع حلفائها الخليجيين بنشاطٍ أكبر لضمان عدم تسبب هذه الاختلافات بمشاكل إضافية، سواء في حل النزاع اليمني أو مقاومة نشاط إيران المزعزع للاستقرار في أماكن أخرى من المنطقة.
ماذا بعد بالنسبة لليمن؟
لطالما كان واضحاً أن الحل في اليمن سيتم التوصل إليه على الأرجح من خلال عملية سياسية أكثر من عملية عسكرية، لا سيما مع تكثيف الكونغرس الأميركي الضغط في ذلك الاتجاه وتخفيض الإمارات تواجدها العسكري. وتعني القيود العسكرية الخاصة بالرياض أن الحل السياسي قد يكون الآن الخيار الوحيد. ولا يمكن للسعوديين أن يدّعوا إحراز نجاحٍ ملحوظ في تحقيق أهدافهم العسكرية. فما تزال حدودهم معرّضة للخطر من قِبَل الحوثيين، بينما فشلت قوّاتهم في استرداد العاصمة نيابة عن الرئيس عبد ربه منصور هادي والحكومة اليمنية المعترَف بها دوليّاً. وفي المرحلة اللاحقة، من غير الواضح ما إذا كانت الإمارات مستعدة للاستمرار في دعم الغارات الجوية التي تقودها السعودية وغيرها من الأنشطة العسكرية في شمال البلاد.
إذا لم يسعَ السعوديون إلى إيجاد حل سياسي بصورة أكثر استباقية، فإنهم سيوشكون على البقاء وحدهم لخوض حربٍ لا يمكنهم الفوز بها. وقد يشكّل تخفيض التواجد العسكري للإمارات وسط استمرار الغارات الجوّيّة السعودية الخيار الأسوأ، بما أن الحوثيين قد يرون هذا التخفيض بمثابة فرصة لاختبار استعداد القوات اليمنية في الجنوب. وفي المقابل، فإن تخفيض التواجد العسكري السعودي-الإماراتي المشترك قد يفسح المجال للمحادثات الثنائية بين السعوديين والحوثيين لوقف التصعيد، وقد يُزيل أي سبب كامن يدفع االمتمردين إلى مهاجمة الأراضي السعودية على المدى الطويل، بغض النظر عمّا إذا كانت إيران تستمر في حثّهم على ذلك أم لا.
وهكذا، على الولايات المتحدة أن تدفع الرياض إلى النظر في إعادة افتتاح المحادثات المباشرة مع الحوثيين على غرار تلك التي جرت في العام 2016، وأن تجد في الوقت نفسه سبلاً لجعل مثل هذه المفاوضات مقبولة بالنسبة لحكومة هادي. كما على واشنطن تشجيع العملية التي تشرف عليها “الأمم المتحدة” وتعزيز المحادثات المباشرة بين هادي والحوثيين، بهدف إيجاد حلٍ للبلد بأكمله، وليس للحديدة فحسب. وسيبقى المبعوث الخاص للأمم المتحدة عاجزاً إذا لم تتواصل الأطراف مع بعضها بعضا بقوة أكبر. ولا تشكّل المحادثات الثنائية علامةً على الاستسلام للحوثيين، وإنما ستكون بالأحرى فرصةً تضيق نافذتها بسرعة للحد من النفوذ الإيراني في اليمن وإرساء الاستقرار في البلاد. ومع تنامي الشعور بالإرهاق من الحرب، يشكّل الانخراط الفعال الذي يسعى إلى إرساء ترتيبات تعود بالمنفعة المتبادلة على جميع الأطراف سبيلاً للخروج من النزاع مع حفظ ماء الوجه.

*زميلة بحث في “برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة” في معهد واشنطن لدراسة الشرق الأدنى.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock