أفكار ومواقفالسلايدر الرئيسي

تدابير منعت كارثة اقتصادية

سلامة الدرعاوي

تداعيات كورونا على الاقتصاد الوطني عميقة وغير مسبوقة، وهي تختلف كليا عن أي تحديات تعرضت لها المملكة خلال العقود الماضية حتى في حالة الحرب، فالأخيرة تحدث تراجعا في الإنتاج الاقتصادي، بينما الوباء عطل النشاط والحركة برمتها وجمد أي حراك اقتصادي تجميداً قسريا.
لكن علينا ان نعترف أن تداعيات الوباء كانت وقتية لا تتجاوز الثلاثة أشهر بتداعياتها الوخيمة، لتبدأ الحياة بالعودة بشكل تدريجي بعد النصف الأول من العام الماضي، وهذه التدابير قللت بكثير حجم الخسائر على الاقتصاد الوطنيّ وإخراجه من حالة الانكماش في العام 2020 إلى النموّ الايجابي المتباطئ خلال العام الحالي.
هذه التدابير جميعها كانت تعمل للحد من تفاقم البطالة حينما توقفت المنشآت عن العمل، وبالتالي تسريح مزيد من العمالة في ظل عدم تمكن تلك المؤسسات من الاستمرار.
تمحورت التدابير الاقتصادية الرسمية حول هدف رئيس هو المحافظة على العملية الاقتصادية الراهنة بقدر الإمكان، والمشاركة في توفير تسهيلات تساعد المنشآت على الاستمرار والحفاظ على قدرتها التشغيلية وعدم التخلي عن العمالة لديها، وهنا كانت أولى هذه التدابير من خلال مبادرة البنك المركزيّ في فتح نوافذ تمويلية متعددة بقيمة تناهز الـ1.5 مليار دينار خلال جائحة كورونا، مكنت مختلف الشركات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة أيضا من الحصول على تمويل سريع بفوائد منخفضة لا تتعدى الـ2%، فكانت دافعا كبيرا لتلك الشركات في المحافظة على استمراريتها وتمكينها من دفع رواتب العاملين لديها من جهة، ودعمها في شراء احتياجاتها المختلفة من المواد الأولية، فهذه المبادرة جعلت القطاع الخاص يستمر في العمل بالشكل المعتاد نسبياً، وتقليل التحديات قدر الإمكان عليه.
المبادرة الثانية كانت من خلال برامج المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي وتحديدا برنامج استدامة الذي موّل رواتب أكثر من 7 آلاف منشأة يعمل فيها ما يقارب الـ132 ألف عامل في مختلف القطاعات منذ منتصف العام الماضي ولغاية يومنا هذا بأشكال مختلفة من حيث المساهمة الكلية او الجزئية منها، وبقيمة إجمالية تتجاوز الـ150 مليون دينار، جزء كبير منها مموّل من المؤسسة العامة للضمان، والباقي من الخزينة ومنح خارجية، كان لهذا البرنامج الأمر الإيجابي المباشر في استقرار الحالة العمالية في كثير من القطاعات، وحماية الأمن المعيشي لشريحة واسعة من العاملين في القطاع الخاص، الذين تمكنوا من الحصول على غالبية دخولهم في ظل اشتداد أزمة الوباء واستمرار اشكال الحظر المختلفة.
التدابير الأخرى كانت تتعلق بقدرة الحكومة في توفير مساحات ماليّة سريعة لها تمكنها من الوفاء بالتزاماتها دون انقطاع او تراجع، وهذا الأمر يسجل لوزارة المالية التي تمكنت في فترات وجيزة ومبكرة من عمر الأزمة من الحصول على سيولة ماليّة من مانحين ومؤسسات دولية مختلفة، وفرتها للخزينة التي استطاعت تمويل كافة احتياجاتها دون انقطاع، وسداد التزاماتها الخارجيّة والداخليّة معاً بشكل طبيعي، وقد يقول قائل ان هذا الإجراء كان على حساب تنامي العجز والمديونية، وهذا كلام صحيح، لكن على الجميع ان يتذكر، ان فترة كورنا العصيبة أدت لشح بالسيولة في العالم نتيجة توقف معظم العملية الاقتصاديّة العالمية، ولم تعد هناك سيولة متاحة بالشكل السابق، لذلك كانت أولويات الدول الاقتصادية هي توفير مساحات ماليّة جديدة لها وبسرعة لمواجهة متطلبات الجائحة الطارئة التي عصفت باقتصاديات تلك الدول، فالعجز والمديونية حينها لم تكن أولوية السياسات الماليّة في ذلك الوقت عند غالبية الدول، ومنها الأردن الذي نجح بسرعة في توفير هذه المساحات والتي ايضا كان لها أثر إيجابي مباشر على دفع الحركة الاقتصاديّة الداخلية وعودتها بسرعة نسبيه لمسارها الطبيعي.
التدابير الاقتصادية الثلاثة السابقة هي التي حمت الاقتصاد الوطني من الدخول في نفق مظلم، ولولاها لكان الاقتصاد في خبر كان لا سمح الله.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock