ترجمات

تداعيات التقارب المحتمل بين تركيا وأرمينيا على جنوب القوقاز

إميل أفدالياني* – (أحوال تركية) 16/9/2021

قد يكون للتقارب المحتمل بين أرمينيا وتركيا تأثير كبير على الجغرافيا السياسية في جنوب القوقاز. حيث سيمكّن فتح الحدود تركيا من التمتع باتصال أفضل مع أذربيجان بما يتجاوز إقليم ناختشيفان. ولن تكون موسكو سعيدة بتطور يكون من شأنه أن يسمح ليريفان بتنويع سياستها الخارجية وتقليل الاعتماد على الاقتصاد الروسي. ومع ذلك، فإن العملية محفوفة بالمشاكل حيث يمكن أن يؤدي عدم الثقة المتبادل وتأثير الأطراف الثالثة إلى تعقيد التقارب الناشئ.
وقد تبادل المسؤولون الأرمن والأتراك، خلال الشهر الماضي، تصريحات إيجابية تشير إلى تقارب محتمل بين الخصمين التاريخيين. وقال رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان إنه مستعد للمصالحة مع تركيا “من دون شروط مسبقة… لقد تلقينا بعض الإشارات العامة الإيجابية من تركيا… وسنقيِّم هذه الإشارات، وسنرد على تلك الإيجابية بمثلها”. وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن أنقرة يمكن أن تعمل نحو التطبيع التدريجي إذا أعلنت يريفان “استعدادها للتحرك في هذا الاتجاه”.
على مستوى أكثر واقعية، سمحت أرمينيا مؤخرا للخطوط الجوية التركية بالتحليق إلى باكو مباشرة عبر أراضيها. والأهم من ذلك، أن خطة العمل الحكومية التي وافقت عليها الهيئة التشريعية الأرمينية تنص على أن البلاد “مستعدة لبذل الجهود لتطبيع العلاقات مع تركيا”. ومن المحتمل أن يشمل هذا إقامة علاقات دبلوماسية واسعة النطاق. وتشدد الخطة على أن أرمينيا ستقترب من عملية التطبيع “من دون شروط مسبقة” وتقول إن إقامة علاقات مع تركيا ستكون “في مصلحة الاستقرار والأمن والتنمية الاقتصادية في المنطقة”.
وقد يؤدي الاتجاه الإيجابي إلى محادثات مكثفة وربما إلى تحسين العلاقات الثنائية. ويبقى التوقيت مثيرا للاهتمام. حيث كانت نتائج حرب قرة باغ الأخيرة بمثابة محفز. وعلى الرغم من هزيمة أرمينيا أمام أذربيجان، إلا أنها ترى الحاجة إلى التصرف بما يتجاوز المظالم التاريخية التي تحملها ضد تركيا وأن تكون أكثر براغماتية بشكل عام في العلاقات الخارجية. وترى في تحسين العلاقات مع أنقرة حرمانا لباكو من بعض المزايا. لكن التحالف الأذربيجاني التركي سيبقى على حاله، إلا أن زخمه قد ينخفض إذا أقامت أرمينيا علاقات أفضل مع تركيا.
وأعربت أنقرة عن رغبتها في تحسين العلاقات الثنائية على مدى السنوات الماضية. وربما بُذل أكبر جهد في 2009 عند التوقيع على بروتوكولات زيورخ التي أدت إلى ذوبان الجليد لفترة وجيزة في العلاقات الثنائية. وعلى الرغم من عدم نجاحها في النهاية (في 1 آذار/ مارس 2018، أعلنت أرمينيا إلغاء البروتوكولات)، شددت أنقرة في كثير من الأحيان على الحاجة إلى تحسين العلاقات مع يريفان دون المطالبة بشروط مسبقة.
إلى جانب إمكانية إقامة علاقات دبلوماسية، فإن إعادة فتح الحدود بين البلدين، التي أُغلقت منذ أوائل التسعينيات بسبب نزاع قرة باغ وتضامن تركيا مع أذربيجان ودعمها العسكري والاقتصادي، يمكن أن يكون جزءا من الترتيب أيضا. وقد يغير فتح الحدود البالغ طولها 300 كيلومتر قواعد اللعبة. حيث يبقى فتح الحدود انفتاحا على منطقة جنوب القوقاز بأكملها. وستوفر هذه الخطوة لأرمينيا سوقا جديدا لمنتجاتها وأعمالها، وستسمح للبلاد بتنويع اقتصادها وتقليل الاعتماد على روسيا والطريق الهش الذي يمر عبر جورجيا.
ويعني التنويع الاقتصادي والاتصالي تضاؤل النفوذ الروسي في جنوب القوقاز، حيث شكلت الحدود المغلقة دائما أساس قوة موسكو في المنطقة. كما تعتبر الحدود المفتوحة مع أرمينيا مفيدة بالنسبة لتركيا لأنها ستسمح باتصال أكثر حرية مع أذربيجان. ويعد تحسين الروابط الإقليمية حجر الزاوية في موقع تركيا في جنوب القوقاز بما يقلل النفوذ الجيوسياسي الروسي.
وستستفيد كل من أنقرة ويريفان من التقارب المحتمل. ومن الطبيعي أن نقترح أن التحسن المحتمل بين تركيا وأرمينيا، الحليف الموثوق لروسيا، لن يكون ممكنا دون مباركة من موسكو. وأعربت روسيا عن استعدادها لمساعدة أرمينيا وتركيا على تطبيع العلاقات بينهما، قائلة إن ذلك سيعزز السلام والاستقرار في المنطقة. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا: “نحن الآن أيضا على استعداد للمساعدة على التقارب بين الدولتين المتجاورتين على أساس الاحترام المتبادل ومراعاة مصالح بعضهما بعضا”. ومع ذلك، ليس من الواضح تماما كيف سيتناسب التطبيع مع مصالح روسيا. وأحد الاحتمالات هو أن الاتصال بين أرمينيا وتركيا سيسمح لروسيا بالحصول على رابط بري مباشر مع تركيا عبر أذربيجان وأرمينيا. ومع ذلك، سيظل الطريق طويلا وغير موثوق به. وستبقى التجارة مع تركيا عبر البحر الأسود طريقا رئيسيا بالنسبة لروسيا.
ومع ذلك، فإن تقديم صورة إيجابية في جنوب القوقاز يمكن أن يكون تحريفا للتطورات الحقيقية على الأرض. فالتقارب الأرمني التركي بعيد بسبب انعدام الثقة المتأصل بين الجانبين. كما ستحاول باكو التأثير على تفكير أنقرة خشية أن يتعارض التقارب مع مصالح أذربيجان. وقد لا تكون روسيا أيضا مهتمة تماما بفتح الحدود. وهذا يجعل عملية التطبيع المحتملة محفوفة بالعديد من المشاكل التي يمكن أن تقوض تحسين العلاقة باستمرار.

*أستاذ في الجامعة الأوروبية ومدير دراسات الشرق الأوسط في مؤسسة الفكر الجورجي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock