ترجمات

تداعيات العقوبات الأميركية على رجال الميليشيات العراقية

مايكل نايتس* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 8/1/2021

في 8 كانون الثاني (يناير)، أعلن “مكتب مراقبة الأصول الأجنبية” التابع لوزارة الخزانة الأميركية عن فرض عقوبات ضد فالح الفياض رئيس “هيئة الحشد الشعبي” في العراق، وهي الكيان المتطوع شبه العسكري الذي اندمج كجهاز مسلح جديد مدعوم من الحكومة في حزيران (يونيو) 2014. وتم إدراج الفياض على القائمة السوداء بسبب انتهاكاته لحقوق الإنسان والفساد بموجب “الأمر التنفيذي 13818″، الذي ينفذ قانون ماغنيتسكي العالمي لحقوق الإنسان والمساءلة، ويجمّد ممتلكات الأفراد المتورطين في تلك الانتهاكات.
وفي 28 كانون الأول (ديسمبر)، غرد مستشار الأمن القومي الأميركي الجديد، جيك سوليفان: “سوف تقف إدارة بايدن-هاريس ضد انتهاكات حقوق الإنسان أينما وقعت”. وتصرفات فياض هي أكثر من أن تناسب مشروع القانون -فقد تم إدراجه على القائمة السوداء لدوره في إطلاق النار الجماعي والاحتجاز غير القانوني للمحتجين خلال مظاهرات تشرين الأول (أكتوبر) 2019 في العراق. ووفقاً لما وثقته “منظمة العفو الدولية” ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان “هيومن رايتس ووتش”، قُتل في تلك الاحتجاجات حوالي 500 متظاهر، وجُرح الآلاف، واعتُقل المئات بشكل غير قانوني وتعرضوا لمعاملة سيئة. وأيّد فياض السياسة التي أدت إلى قيام قناصة الميليشيات باستخدام الذخيرة الحية ضد المدنيين، وإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع مباشرة على رؤوس المتظاهرين، وهو ما خلق أبشع صور المظاهرات وأكثرها رهبة في العام 2019.
من هو فالح الفياض؟
فياض هو حرباء سياسية ذات غريزة بقاء قوية جعل من نفسه ذا قيمة لخمسة رؤساء وزراء عراقيين متعاقبين. وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2019، تمت دعوته إلى واشنطن في محاولة لإبعاده عن علاقاته الوثيقة مع الميليشيات المدعومة من إيران، لكنه أحرج مناصريه في الولايات المتحدة من خلال إسراعه بالعودة لتأدية دور قيادي في المجموعة التي دبرت الفظائع المذكورة أعلاه. وفي ذلك الوقت، عمل كرئيس مدني لـ”جهاز الأمن الوطني” إضافة إلى منصبه في هيئة الحشد الشعبي، وكان للجهازين دور فعال في الهجمات على المتظاهرين المدنيين.
كان دوره في أعمال القتل مفهوماً جيداً بين أعضاء الحكومة العراقية وداخل حركة الاحتجاج. وفي 4 تموز (يوليو) 2020، أقالته حكومة الكاظمي من اثنين من مناصبه الثلاثة، مستشار الأمن القومي ورئيس جهاز الأمن الوطني، وتركته في دور صوري كرئيس لهيئة الحشد الشعبي، وهي قوة قوامها 160 ألف عنصر بميزانية قدرها 2.6 مليار دولار. وهو أيضاً شيخ كتلة مكونة من ثمانية أعضاء في البرلمان المنقسم، وأكبر ممثل سياسي لكتلة عشائرية كبيرة في ديالى وبابل هي عشائر “البو عامر”. وهذه المؤهلات تجعله السياسي الشيعي الأكثر أقدمية الذي أدرجته الولايات المتحدة على القائمة السوداء حتى الآن.
التداعيات على السياسة الأميركية
عملت وزارة الخزانة الأميركية والوكالات الأخرى لفترة طويلة في جمع الأدلة والتحقق منها حول دور فياض في انتهاكات حقوق الإنسان والفساد والتواطؤ مع المنظمات المدرجة على القائمة السوداء للمنظمات الإرهابية، مثل “كتائب حزب الله” و “عصائب أهل الحق”. وهكذا، في حين أن قرار إدراجه على هذه القائمة يأتي في نهاية فترة الإدارة الأميركية الحالية، إلّا أنه ليس بأي حال من الأحوال عملاً متسرعاً.
والأهم من ذلك، يجب ألا ينسى فريق بايدن القادم أن المحتجين الشجعان في العراق يستحقون الحماية والإشادة إلى جانب أولئك المتظاهرين في هونغ كونغ وروسيا ولبنان وتايلاند وتشيلي وأماكن أخرى. ويُظهر إدراج فياض على القائمة السوداء أن الحكومة الأميركية تراقب عن كثب وتقف إلى جانب الشعب العراقي ضد الميليشيات المتمردة التي تحاول تقويض ديمقراطيته، وغالباً ما يكون ذلك بناءً على طلب من طهران. وتأتي هذه الرسالة في الوقت المناسب بشكل خاص مع اقتراب موعد الانتخابات العراقية في النصف الثاني من العام 2021، ما قد يمنح العراقيين الأمل في أن تعمل الولايات المتحدة مع جهات فاعلة دولية أخرى لضمان تصويت حر ونزيه. وفي الواقع، ليس الهدف الأساسي من إدراج فياض على القائمة السوداء هو تغيير سلوكه، بل الإظهار للسياسيين العراقيين الآخرين وقادة قوات الأمن أن هناك تكلفة لدعم انتهاكات حقوق الإنسان والفساد الشبيه بالمافيا على أعلى مستويات الدولة.
ومع ذلك، من الضروري في الوقت نفسه أن تعمل الولايات المتحدة بجدية أكبر لضمان أن يكون لعقوبات “ماغنيتسكي العالمية” تأثير حقيقي على الأشخاص المُدرجين على القائمة السوداء مثل فياض. وكان للجولتين السابقتين من عقوبات ماغنيتسكي ضد العراقيين، في تموز (يوليو) وكانون الأول (ديسمبر) 2019، تأثير مخيّب للآمال بتأكيد سفرهم وأنشطتهم المصرفية الدولية. ويجب أن تضمن واشنطن أيضاً أن يفهم العراقيون والشركاء الدوليون العاملون في البلد أن إدراج فياض على القائمة السوداء جاء من باب التركيز على حقوق الإنسان وأن الهدف من جمع الأدلة هو إظهار أنه كان متواطئاً في مثل هذه الانتهاكات.
ومن ناحية الممارسة العملية، يعني ذلك أنه يجب على السلطات منع أي شخص أو كيان أميركي -بما في ذلك المسؤولون الحكوميون ووكالات الإغاثة- من الاجتماع مع فياض. ويجب عليهم أيضاً التأكد من أن شركاء الولايات المتحدة في دول الخليج وتركيا وأوروبا لا يقدّمون أي عون له أو يسمحون بالوصول إليه أو لأمواله وخطط أعماله الواسعة خارج العراق. ويجب أن تخضع مشاركته في أي مشاريع مصرفية إلى تدقيق أميركي علني من خلال إرسال رسائل إلى أي متعاونين مشتبه بهم.
وفي الوقت نفسه، ينبغي على واشنطن أن تواصل الضغط بشكل خاص على الحكومة العراقية لإبعاد منتهكي حقوق الإنسان من قيادة قوات الحشد الشعبي، وخصوصا منظّمين ومنسقين آخرين لأعمال القتل التي حدثت في العام 2019. ومن بين هؤلاء:
• أبو تراب (الاسم الحقيقي ثامر محمد إسماعيل)، ناشط في “منظمة بدر” وقائد “قوات الرد السريع” بوزارة الداخلية، وبصفته هذه أمر القوات بإطلاق النار على المتظاهرين.
• أبو منتظر الحسيني، قيادي آخر في “منظمة بدر”.
ستكون أفضل طريقة لتسهيل هذه العملية هي بدء الإصلاح من القمة، من خلال عزل فياض ونائبه في قسم العمليات، أبو فدك (عبد العزيز المحمداوي)، أحد قادة “كتائب حزب الله” الذي لم يصادق رئيس الوزراء على تعيينه كما يقتضي القانون. وأحد الخيارات هو استبدالهما بقادة مدعومين من آية الله العظمى علي السيستاني والمؤسسة الدينية الشيعية. ويمكن أن تؤدي المساعي الأميركية غير العلنية وراء الكواليس إلى زيادة الضغط من أجل إجراء مثل هذه التغييرات في قيادة “قوات الحشد الشعبي”.

*زميل في برنامج الزمالة “ليفر” وزميل “برنشتاين” في معهد واشنطن ومقره في بوسطن. متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية للعراق وإيران ودول الخليج. قام بتحليل الميليشيات والسياسيين المدعومين من إيران في العراق منذ العام 2003.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock