تحليل إخباري

تداعيات الكورونا على الدولة والبئية الدولية: الحالة الاردنية

أ.د محمد المصالحة*

داهمت جائحة فيروس كورونا الدول والعالم اجمع بصورة سريعة، لم تمكن معظم دول العالم من الاعداد الكامل لها من جوانب عديدة، ومما زاد الطين بله ان الفيروس مستجد ومصنع وسريع الانتشار والعدوى، ولم تتوفر له بعد لقاحات وعلاجات معتمده دوليا.

ولا تشير الانباء المتواترة من مختلف مختبرات دول العالم خاصة المتقدمة، ان ذلك سيتم قريبا ، وان اعتماده طبيا بحاجة لوقت ليس قليلا، اذ انقسمت دول العالم الى نوعين، الاول اهتم بصحة المواطن وقدمه على الاعتبارات الاقتصادية وحرية الحركة والتنقل واخذت به الصين والاردن منذ البداية، مما ساعد في الحد من خطر انتشار الوباء.

النوع الثاني، اعطى اولوية لعجلة الاقتصاد وحريات الناس في الحركة والتنقل واستمرار الحياة الطبيعية، مما ادى الى تفشي الوباء وانهيار الانظمة الصحية ، وتصاعد اعداد الاصابات والوفيات بصورة تصاعدية مخيفة، ومن المفارقه الهامة ان الدول المتقدمة في اوروبا واميركا الشمالية كانت الاكثر ارتفاعا في الضحايا وتباطؤا في تبني الاجراءات الحازمة للحد من انتشار الفيروس.

وقد تولد عن الثاني، خلافات سياسية بين احزابها الحاكمة والمعارضة، وكذلك بين المواطنين والمجتمع المدني من جهه والحكومات التي تتهم بالتباطؤ والتقصير خاصة في تامين المستشفيات والاسرة والاجهزه الطبية والعلاجات المساعدة من جهه اخرى.

ومن المبكر ان نجزم الان ماذا ستنتهي اليه الامور على مستوى العلاقات الدولية بعد انتهاء هذه الجائحة، ومن المهم هنا ان اركز على التجربة الاردنية في مواجهتها للازمة.

التجربة الاردنية في مواجهة كورونا، اتسمت بخصائص عديده منها مايلي: – عززت الروح الوطنية والتماسك الوطني في مواجهة هذا الخطر، وتم التعبير عن ذلك بجموع المتطوعين لمساعدة الاجهزة والفرق الطبية، والالتزام القوي لدى غالبية الاردنيين لتنفيذ التعليمات الصحية والامنية لاسيما في مجالات حظر التجول والتباعد عند التسوق واستخدام وسائل الوقاية كالكمامات وغسل وتعقيم الايدى باستمرار، فضلا عن ارتفاع نسبة استخدام التكنولوجيا للاتصال في مجال التعليم والتسوق وعقد الاجتماعات عبر التطبيقات الالكترونية خاصة في ضوء تعطيل الجامعات والمدارس وتاجيل المباريات الرياضية وجلسات واجتماعات مجلس الامة.

الى جانب توظيف وسائل الاعلام الاذاعي والتلفزيوني، في حملات التوعية لتوصيل البيانات الرسمية، كما تم الاستفادة من قنوات الوعظ والارشاد الديني، وقصر تادية العبادات والفرائض في المنازل، اضافة الى تطبيق انظمة للحجر في الفنادق للقادمين من الخارج لمدة اسبوعين تحت الرقابه الطبيه، وانظمة عزل المناطق التى فيها بؤرة موبؤة بالفيروس او المصابين والمخالطين، وتشكيل فرق التقصي الميداني لاكتشاف الاصابات.

ثانيا ، ادامة سلاسل التوصيل الغذائي من المنتجات الزراعية والصناعية الى اماكن التسوق واهتمام خاص بمادة الخبز والادوية والوقود، ولم تخلو هذه العملية من حصول اختلالات، خاصة في موضوع التصاريح الورقية قبل تحويلها الكترونيا، واستغلال بعض المسؤولين لها او متعاونين معهم بصورة غير قانونية.

وتركيز العمل الحكومي على مكافحة الوباء الذي استنفذ جل اهتمام جلالة الملك عبدالله الثاني و الحكومة والجيش والامن والدفاع المدني، لان التركيز في التجربة الاردنية انصب على حماية الانسان وصحته.

وقد تميز اداء وزيرا الصحة والدولة لشؤون الاعلام في نقل المعلومات والتوجيهات بصورة منتظمة يوميا، كما ان الناطق الاعلامي للقوات المسلحة الأردنية- الجيش العربي- ادى دوره بشكل ممتاز في التواصل مع المواطنين.

كما ساعدت عملية حجز المركبات المخالفة من قبل الامن العام، في خفض اعداد المخالفات تدريجيا.

وهنا اوكد ان الازمة كانت تمرينا حيا للمواطن للتعود على الانضباط واحترام تعليمات النظافة والسلامة وعدم التجول الا في الساعات المحددة.

كما اعتاد المواطن الأردني تدريجيا على الاقتصاد والتدبير في الاستهلاك في فترة الحظر، وهذه من القيم التي يجب الاهتمام بها لكي يتكيف المواطن على ترشيد استهلاكه خاصه في الازمات والحروب والكوارث.

وعلى مستوى التفاعل الاردني الدولي ابان الازمة، تواصل جلالة الملك مع روساء دول عربية وصديقة ونشر مع عدد من الزعماء مقالة مشتركة بخصوص تنسيق الجهود العالمية لمكافحة الوباء الذي يشكل تهديدا للبشرية، كما وتابع جلالته جهود المسؤولين واجتماعاتهم في الميدان لشكر وتحفيز العاملين من مدنيين وعسكريين على مزيد من العطاء للوطن.

كما تم تشكيل خلية ازمة تتبعها فرق عمل في قطاعات مختلفة تعمل من مركز الوطني للامن وادارة الازمات، وتكليف الوزراء بزيارات ميدانية للمدن والمحافظات للوقوف على واقع الحال والاستماع لاراء الناس وايقاع العقوبات على اي مخالفات، لاسيما في مجال التموين ورفع الاسعار.

لقد شكلت تجربة الكورونا حالة متميزة بين دول المنطقة والعالم، تفردت بها بسبب ادارة ألازمة منذ البداية بصورة مناسبة مع حجم الخطر، وكان اعلان تطبيق قانون الدفاع عاملا مسهلا لاداء مختلف المؤسسات والفرق العاملة بصورة ناجحة.

وختاما، نرى ان كفاءة ادارة الدول لتجربتها مع هذا الوباء الخطير لن يعتمد فقط على ماتملكه من صناعات واسلحة، بل على قدرتها ونجاحها في الحد من خطره على حياة الانسان وصحته، فالانسان في السياسة الاردنية اغلى ما يملك الوطن.

*رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock