أفكار ومواقف

تدخين برعاية حكومية

تقول منظمة الصحة العالمية إن أرقام المدخنين حول العالم بدأت بالهبوط مؤخرا، ما يشكل أملا في أن تستطيع الدول خفض ميزانيتها العلاجية، خصوصا على الأمراض المتصلة باستهلاك السجائر، مثل القلب والشرايين، وبعض أنواع السرطانات.
هذا انخفاض على المستوى العالمي، ولكن محليا، ما تزال نسبة المدخنين شبه ثابتة، أو تزداد قليلا، منذ زهاء ثلاثة عقود. حوالي ثلث السكان هم من المدخنين، وبنسبة 27 % للإناث، و38 % للذكور.
نتائج الدراسة الحكومية التي أجريت العام الماضي بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، ونشرتها قناة “المملكة” نقلا عن “الغارديان” البريطانية، تؤكد أن الأردن بات يحتل المركز الأول عالميا من حيث انتشار التدخين، فهناك 8 رجال من بين كل 10 أردنيين “يدخنون أو يستخدمون بانتظام منتجات النيكوتين بما في ذلك السجائر الإلكترونية”.
يتجاوز حجم الإنفاق على التدخين في الأردن مبلغ مليار دينار سنويا وذلك بناء على أحدث أرقام لدائرة الإحصاءات العامة.
أما مسح نفقات الأسرة ودخلها الصادر العام الماضي عن دائرة الإحصاءات العامة، فيقدّر أن سكان الأردن ينفقون 1.065 مليار دينار سنويا على التبغ والسجائر، منها حوالي الربع تنفقها أسر غير أردنية. كما يقدر المسح أن الأردني ينفق بالمتوسط 115.2 دينار سنويا على شراء السجائر.
دراسات حديثة، صدرت في الربع الأول من العام الحالي، تبين أن 6 % من الناتج الإجمالي المحلي ينفق على التدخين، فنسبة إنفاق الأسر على التدخين بلغت 4.4 %، بينما بلغت التكلفة السنوية لعلاج الأمراض الناتجة عن التدخين حوالي 200 مليون دينار.
هذه أرقام مرتفعة، وأيضا صادمة للجميع، خصوصا ممن يعملون في مجال الصحة العامة، إذ إن خفضها يتطلب مجهودات كبيرة، وصبرا طويلا، وبرامج مجتمعية مربوطة بمؤشرات وقياس أثر، لكي نضمن بعض النتائج المرضية في هذا السياق.
لكن، وقبل الدعوة إلى مثل هذه البرامج علينا أن نستعرض أهم الأسباب التي أدت إلى مثل هذا النمو الكبير بأرقام المدخنين، وأحسب أن كثيرا منها ليس خافيا على أحد.
قبل أن ننتقد وعي المواطن الذي يتجه إلى ممارسة عادة التدخين، لنستعرض أولا السياسات الحكومية الخاطئة في مجال التبغ، وأهمها أن صناعة التبغ باتت صناعة مؤثرة في القرارات الحكومية، خصوصا أنها ترفد خزينة الدولة بحوالي مليار دينار سنويا، وتمثل شركات التبغ في العالم قوة ضاغطة على القرار لهذا السبب.
في الأردن، أيضا، ما تزال أسعار السجائر زهيدة بالمقارنة مع الدول المتقدمة، لذلك يستطيع الناس من جميع الطبقات شراءها بسهولة من دون أن تؤدي إلى اختلالات كبيرة في نفقاتها، وهو سبب مساعد في التشجيع على التدخين.
بالإضافة إلى هذا، هناك تساهل حكومي كبير مع بيع السجائر ومنتجاتها، فهي تسمح ببيع التبغ في جميع البقالات والسوبرماركت والأكشاك، وحتى البسطات، بينما يتوجب أن تكون السجائر سلعة خاصة، يتم ترخيص أماكن معينة قليلة جدا لبيعها في كل مدينة، لا أن نسهل الحصول عليها من أي مكان!
الأكثر غرابة ومرارة، هو أنها تسمح للبقالات والسوبرماركت والدكاكين القريبة من المدارس ببيع السجائر، وبعضها يمنح تسهيلات البيع بالسيجارة للتلاميذ، وهذه “الرخصة الشاذة” بمثابة جريمة بحق النشء الذي تقول الدراسات إن ميوله لتجريب التدخين تبدأ قريبا من سن 13 عاما، وبذلك فهذه السياسة تسهم بتوجيه اليافعين والمراهقين نحو التدخين.
بموازاة ذلك، تتوسع الحكومة في منح تراخيص لمحال تقديم الأرجيلة، حتى بتنا نراها في كل مكان. وفي الوقت الذي يمنع قانون الصحة العامة الترويج الإعلاني للسجائر، فإن إعلانات محال الأراجيل نجدها في جميع وسائل الإعلام.
قد يكون من المجدي أيضا النظر إلى حال قانون الصحة العامة رقم 47، الذي أقره الأردن في 2008، وهو قانون تهرب الحكومات جميعها من تطبيقه، كما لو أنها تخاف شيئا ما. القانون يؤكد على حظر التدخين في الأماكن العامة. لكن الثابت هو أن الأماكن العامة مليئة بالدخان والمدخنين، وأن زيارة واحدة لأي منشأة حكومية سترينا الحال البائس الذي وصلت إليه الإرادة الحكومية في تطبيق قانون يحافظ على صحة المجتمع. فهل ستفعلها حكومة عمر الرزاز وتفعّل قانون الصحة العامة، أم أنها هي الأخرى ستظل دافنة رأسها في الرمال!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock