ترجمات

تدريس “الحرب على الإرهاب”: دروس للسياسة المعاصرة

أنتوني ديماجيو* – (كاونتربنتش) 13/9/2019
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بينما تشهد هذه الأيام مرور الذكرى السنوية لهجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، سوف يكون من المفيد أن نكون على وعي بالتغييرات التي حدثت في الثقافة السياسية الأميركية، والتي أحدثت تحويلاً في هذه الأمة على مدار العقدين الماضيين. وأنا أقوم بتدريس مساق في التاريخ في جامعة ليهاي، بعنوان: “الحرب على الإرهاب في السياسة، والإعلام، والذاكرة”، والذي يفحص “معنى” هذه الحرب، من خلال استكشاف “تجارب شخصية ووجهات نظر نقدية حول الحرب”، كما تظهر في الخطاب الرسمي ووسائل الإعلام والأفلام التي لقيت الشعبية.
كأستاذ سأبلغ من العمر 40 عاماً في هذا العام، كان عمري 21 عاماً وقت هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، ولم أكن أدرك بشكل كامل -إلى أن بدأت تدريس هذا المساق- تلك الهوة الحاضرة في أذهان الجمهور حول “الحرب على الإرهاب”. وقد أمضيت كامل سنوات خبرتي في المرحلة الجامعية الأولى والدراسات العليا، ثم مسيرتي المهنية كأستاذ جامعي، في دراسة الخطاب السياسي الأميركي ووسائل الإعلام والرأي العام في فترة ما بعد 11 أيلول (سبتمبر). وعشت كل لحظة من هذه الفترة، ودرست الأحداث التاريخية الكبرى بعدسة عالِم الاجتماع، عاكفاً على فهم السبب في اتخاذ السياسة الخارجية للولايات المتحدة الشكل الذي كانت عليه. ولكن، بالنسبة للأولاد الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و22 عاماً والذين يدرسون مساقاً في التاريخ حول 11/9، فإن هذا كله تاريخ قديم.
كان طلاب المرحلة الجامعية الأولى في العام 2019 أطفالاً رُضّعاً أو صغاراً جداً في العام 2001، ولذلك ليست لديهم أي خبرة مباشرة، ناهيك عن خبرة البالغين، في ما كانت عليه الثقافة السياسية الأميركية في أعقاب الهجمات على البنتاغون وبرجي مركز التجارة العالمي. وتشكل مقارنة تجربتي الخاصة بتجارب الشباب الأميركيين تجربة تعليمية قيِّمة، مع الأخذ بعين الاعتبار الطرق المختلفة اختلافاً كبيراً التي يتفاعل بها شباب اليوم مع تلك الحقبة، مقارنة بتجارب البالغين الشباب من الجيل السابق. وعلى هذه الأسس، يناقش هذا المقال بعض الدروس الرئيسية التي جمعتها من تدريسي مساق تاريخ “الحرب على الإرهاب”.
لعل إحدى فوائد تعليم الشباب في العشرينيات من أعمارهم عن التاريخ السياسي لما بعد 11 أيلول (سبتمبر) هو أنهم ليسوا مثقلين بعبء الخطاب السام نفسه الذي ميّز الولايات المتحدة بعد تلك الهجمات الإرهابية مباشرة. فقد أعلن الرئيس بوش بعد 11 أيلول (سبتمبر) أن الأميركيين ومواطني العالم إما “معنا أو ضدنا” في حرب بلا نهاية في الأفق، والتي وعد الرئيس بأنها لن تنتهي حتى يتم القضاء على الإرهاب وإزالته عن وجه الكرة الأرضية. وفي تلك البيئة، شعر الأميركيون بأنهم تحت الضغط والترهيب بطريقة دفعتهم إلى حجب أرائهم المعارضة، خوفًا من أن يوصفوا بأنهم “غير وطنيين” أو “غير أميركيين” أو “متعاطفين مع الإرهابيين”. لكن هذه القومية المتطرفة ذات الخطاب الحربي تراجعت منذ ذلك الحين، إلى جانب تزايد عدم الثقة العامة في القادة السياسيين الأميركيين وفي مواجهة الحروب المتعددة التي لا تحظى بالشعبية في العراق وأفغانستان والأماكن الأخرى.
بسبب بُعدهم من حيث الحضور الفيزيائي عن سنوات ما بعد 11 أيلول (سبتمبر)، تجنَّب الشباب الأميركيون الآن التعامل مع ذلك التلقين الذي ابتلي به الخطاب السياسي الأميركي في بداية “الحرب على الإرهاب”. ويتجسد ذلك في وجود انفتاح عميق على تأمل التحديات الجوهرية والتأسيسية لشرعية هذه الحرب نفسها. وينطوي طلابي على فضول فكري حقيقي إزاء الخطاب والقيم التي حددت الأيام والسنوات التي تلت 11/9 مباشرة، لكنهم ينظرون إلى تلك الفترة بأعين متحررة غير منحازة، وهم على استعداد لاستنطاق دوافع السياسة الخارجية للولايات المتحدة لخوض الحرب. ويتضمن ذلك، الانفتاح على مفهوم “رد الفعل” أو انتقاد المتطرفين للولايات المتحدة باعتبار أنها أذكت فعلياً مشاعر العداء في جميع أنحاء العالم الإسلامي بانتهاجها سياسات خارجية قمعية وإمبريالية. وكان من الصعب إجراء مثل هذا النقاش، إن لم يكن مستحيلاً، في مناخ الخوف والقومية المتطرفة اللذين سيطرا على الولايات المتحدة بعد 11 أيلول (سبتمبر).
يدرك طلابي الأخطار الكامنة في خنق النقاش في أمة تتصور نفسها حامية القيم الديمقراطية. ولا تفوت على طلابي المفارقة في مطالبة إدارة بوش الناس بالطاعة بلا سؤال بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، باسم الدفاع عن الحرية والديمقراطية الأميركية. ويدرك الكثيرون، ويعبرون عن رأيهم علانية، خطر نظام القيم الفاشي البدائي الذي يطالب بتقديم دعم غير محدود وأعمى للقادة السياسيين وأجندتهم الحربية، من دون أي اعتبار للأخطار التي تنطوي عليها حرب لا نهاية لها، والتي تُخاض في بلد تلو الآخر، مع القليل من العناية بالتبعات الإنسانية.
إحدى فوائد الفضول الفكري لدى الشباب الأميركي اليوم هو أنه يُترجم إلى استعداد للنظر بجدية في دوافع مهاجمي 11 أيلول (سبتمبر). وبالكاد كان هذا الفضول موجوداً في الأيام والسنوات التي تلت 11 أيلول (سبتمبر). وقد اشترى الأميركيون بالتأكيد كتباً عن الشرق الأوسط والإسلام بأعداد متزايدة بعد 11 أيلول (سبتمبر). ولكن، لا يمكنني أن أتذكر شخصاً واحداً تحدثت إليه خلال سنوات دراستي للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، والذي كلف نفسه حقاً عناء قراءة مقابلة مع أسامة بن لادن. ولو أنهم فعلوا ذلك، لكانوا قد اكتشفوا أن أيديولوجيته وأيديولوجية رفاقه، على الرغم من تعصبها وتطرفها، كانت مدفوعة أيضاً بمظالم ومواطن شكوى جسيمة ضد الولايات المتحدة، والتي تتقاسمها أغلبيات في البلدان الإسلامية. وتشمل هذه المظالم: الغضب من دعم الولايات المتحدة العسكري لإسرائيل واحتلالها غير القانوني لفلسطين؛ والشعور بالمرارة من وجود قواعد عسكرية أميركية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، وخاصة في المملكة العربية السعودية؛ والمعارضة للدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة للأنظمة الاستبدادية في المنطقة؛ والاشمئزاز من الولايات المتحدة في أعقاب حرب العراق في العام 1991 والعقوبات اللاحقة التي تسببت في موت ما يُقدر بنحو 500.000 طفل عراقي.
أصبح إجهاد الحرب عنصراً أساسياً في السياسة الأميركية في أواخر العقد الأول من الألفية والعقد الثاني منها، حيث أصبح معظم الأميركيين ينظرون إلى حرب العراق على أنها غير أخلاقية ولا تستحق كلفتها من الأموال والأرواح والدماء، ويعيدون النظر في الأكاذيب التي تم إطلاقها لتبرير الحرب فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة، وروابطه الوهمية بإرهاب تنظيم القاعدة. ويبدو أن العديد من الأميركيين الشباب يتقاسمون إجهاد الحرب اليوم، حتى لو أنهم لم يكونوا يتابعون السياسة الأميركية عن كثب خلال الألفية الجديدة. ولكن، بعد أن تم تعريضهم لكلمات أسامة بن لادن، أصبح طلابي يدركون أيضاً مدى خطورة بدء “الحرب على الإرهاب”، في صراع سعى فيه بن لادن، ببرود وبطريقة شيطانية، إلى جر الولايات المتحدة إلى التورط في حروب مدمرة في الشرق الأوسط من أجل تحقيق “توازن للرعب” على كلا الجانبين، والذي تميّزه أعمال تدمير شريرة شرسة ضد السكان المدنيين، والتي يقوم بها كل من الجيش الأميركي والأصوليين الإسلاميين على حد سواء.
لا بد أن تصيب الحروب بالرعب أعداداً كبيرة من الناس، الذين يصبحون عالقين بطريقة حتمية في الصراعات الدامية بين الأطراف المتحاربة. وكان بن لادن يعول على هذا، وكان الدافع وراء دعمه لخاطفي 11 أيلول (سبتمبر) هو الأمل في أن يؤدي رد عسكري أميركي قاسٍ إلى المزيد من التطرف في الشرق الأوسط وتوسيع عدد الأصوليين المستعدين لقتل أنفسهم والآخرين في “الحرب المقدسة” ضد الولايات المتحدة والحكومات والشعوب المتحالفة معها. وفي العقد الذي تلا هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، تم تحقيق إستراتيجية “العين بالعين” هذه بفعالية، كما ظهر في صعود تنظيم “داعش” واستيلائه على مناطق واسعة من العراق وسورية. وقد تم تقليص قوة “داعش” في السنوات الأخيرة، على الرغم من أنه يشهد إعادة انبعاث في الآونة الأخيرة، وما يزال مصمماً على إعادة تأسيس خلافة أخرى تحت حكم الأصوليين الملتزمين بخوض “جهاد” السيف ضد المنتقدين والكفار.
من المشجع أن العديد من طلابي يدركون مخاطر استراتيجية بن لادن القائمة على التصعيد التصعيد مع الولايات المتحدة. وهم يدركون أنها ليس ثمة نهاية لعبة إيجابية لحرب كهذه، وهي نقطة أكدَتها حقيقة أننا الآن في العام الثامن عشر من الحرب في أفغانستان، ولا توجد بعد أي نهاية متوقعة لهذه الحرب في الأفق. لكنهم يدركون أيضاً الخطر الكامن في انسحاب الأميركيين من العالم في السنوات الأخيرة، كما ينعكس ذلك في تزايد نزعة القومية الأميركية المتعصبة والعداء للغرباء في الثقافة السياسية الأميركية، وتراجع اهتمام الجمهور بالشؤون العالمية. ومن دون تكوين وعي نقدي بتاريخ “الحرب على الإرهاب”، ثمة فرصة ضئيلة في إدراك كتلة حرجة من الأميركيين لأخطار العنف المتصاعد في صراع لا يمكن كسبه، والذي خلف الموت والدمار فقط على كلا الجانبين.
أحد الشواغل ومكامن القلق الجدية التي أسمعها من طلابي هو أن الضغوط العامة من أجل تصعيد النزعة العسكرية في الشرق الأوسط ستزداد بشكل كبير إذا تعرضت الولايات المتحدة لهجوم إرهابي كبير آخر يتم تعقب أسبابه إلى الأصوليين الإسلاميين. وليس الأمر أن هؤلاء الطلبة ملتزمون بشكل أعمى بوجوب الرد العنيف، بغض النظر عن البدائل غير العنيفة للحرب. إنهم يخشون أن الأميركيين لم يتعلموا كما ينبغي دروس 11/9 و”الحرب على الإرهاب” التي تلته، في بلد معروف بفقدان الذاكرة التاريخية.
ثمة العديد من الشباب الأميركيين المنفتحين على التعامل مع الهجمات الإرهابية في المستقبل من خلال إطار للعدالة الجنائية، يتم فيه استلام المشتبه في صلتهم بالإرهاب من البلدان التي يكونون فيها وتقديمهم إلى محكمة قانونية، حيث يتم توجيه تهم ضدهم علانية. ولا يعني هذا أنهم يستبعدون العمل العسكري -إذا تم استنفاد جميع الخيارات الأخرى غير العنيفة. لكن طلابي قرأوا تحليلات من النقاد المناهضين للحرب مثل نعوم تشومسكي وغيره. وهم يدركون قيمة أن يعمل بلدهم كدولة قانون -دولة تحترم القانون الدولي والوطني والإنساني- مع الاعتراف بسيادة الدول الأخرى، وتكون مع ذلك متيقظة إزاء مكافحة الإرهاب الدولي. لكن دعمهم الفلسفي للبدائل السلمية للحروب المستقبلية، لن يكون -لسوء الطالع- مؤثراً بقدر يُعتد به إذا لم تشاركهم الجماهير الأميركية هذا الشعور.
تعرِض ذكرى هجمات 11 أيلول (سبتمبر) التي نشهدها هذه الأيام فرصة للأميركيين للتفكير بطريقة نقدية في التدمير الذي أحدثته “الحرب على الإرهاب” في جميع أنحاء العالم. وقد أدى عدم الاستقرار الذي جلبته هذه الحرب على الدول الإسلامية إلى تأجيج المشاعر المعادية لأميركا. لكن الولايات المتحدة يمكن أن تشرع في اتخاذ خطوات للحد من هذا العداء، من خلال التركيز على بدائل غير عنيفة لمكافحة آفة الإرهاب العالمي. ولا يمكن أن تكون المخاطر أكبر في حقبة تتسم بتصاعد التطرف. وفي هذا الوقت من الصراع، سوف يكون لشباب أميركا دور فعال وحاسم في التعبير عن رؤيتهم الخاصة لتحقيق السلام.

*أستاذ مساعد للعلوم السياسية بجامعة ليهاي. يحمل درجة الدكتوراه في الإعلام السياسي، وهو مؤلف الكتاب الصادر حديثاً، “سياسة الإقناع: السياسة الاقتصادية وتحيز وسائل الإعلام في العصر الحديث” (2018)، “بيع الحرب، بيع الأمل: الخطابة الرئاسية، الإعلام الإخباري، والسياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد 11/9” (2016).
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Teaching the “War on Terror”: Lessons for Contemporary Politics

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock