أفكار ومواقف

تدمير باسم الإسلام؟!

في رمضان الماضي، أثار المسلسل التلفزيوني عن الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام، عاصفة من ردود الأفعال الغاضبة على المسلسل الذي يعالج الأحداث في سياق تاريخي بعيدا عن المقدس. وأذكر أنني كتبت مقالة مطولة عن هذا الموضوع بعنوان “الأسطوري والديني: مسلسل الحسن والحسين نموذجا”.
ما أعاد صورة المشهد الأسطوري والخرافي هو ما تناقلته وسائل الإعلام عن أن “الإسلاميين” الذين يسيطرون على مدينة تمبكتو في شمال مالي، أقدموا على القيام بتدمير عتبات دينية، وهدموا باب جامع يعود إلى القرن الخامس عشر، وذلك بعدما دمّروا ستة أضرحة من أصل 17 لأولياء مسلمين في المدينة!
الحادثة ليست منفصلة عن السياق غير المفهوم للنبت الجديد في مفهوم هؤلاء للإسلام، والذين ينتجون وعيا مزيفا حول الإسلام. وهو وعي يخدم المتطرفين في الديانات الأخرى للنيل من الدين الإسلامي بحجج غير صحيحة عن صورة الإسلام المتخلف، ويعطيهم الفرص لتكوين انطباعات عدائية تجاهنا وتجاه التاريخ الإسلامي؛ ومن ثم توظيفها في مشاريع سياسية تؤدي إلى إحكام السيطرة علينا ثقافيا وسياسيا واقتصاديا بحجة أننا شعوب متخلفة، تعيش خارج إطار التاريخ.
لا يختلف اثنان على أن ثمة تداخلا كبيرا في مفاهيم ثقافية ومحلية وأسطورية، امتزجت بصورة الدين الإسلامي في المجتمعات التي وجد فيها الإسلام، سواء أكانت مجتمعات عربية أو غير عربية، وهذا يعود إلى عدم تخلص الناس من هذه الأفكار والمعتقدات التي يؤمنون بها، وامتزجت في حالات كثيرة بالإسلام. وهذا ما حدث في مالي عندما قامت جماعة أنصار الدين بكسر باب جامع سيدي يحيى في تمبكتو، والاعتقاد الشعبي في تلك المنطقة يقول إنهم خلعوا بابا مقدسا لا يفتح، وتقول بعض التقاليد المحلية إن فتح الباب الخشبي الواقع في الجانب الجنوبي لجامع سيدي يحيى، وهو مغلق منذ عقود، سيعود بالشر على المدينة.
هذا التصرف لا يعبر عن صورة الإسلام بأي شكل من الأشكال، وهو تصرف مرفوض؛ فجامع سيدي يحيى واحد من أكبر جوامع مدينة تمبكتو، وهو تحفة معمارية تشهد على عهد ازدهار المدينة، والجامع  مدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو.
هؤلاء الذين أقدموا على هذا الفعل نسأل عن شكل الثقافة التي يفكرون بها، وهل هي ثقافة إسلامية، أم هي ثقافة الأسطورة التي لا تقيم وزنا ولا قيمة للثقافة الإسلامية، رغم أنها تقول عن حالها إنها ثقافة تنبع من رحم الدين الإسلامي؟
مشهد الاعتداء على هذه الأضرحة والمساجد يخفي كثيرا من صور الأسطرة التي تعشعش في أذهان المنغلقين عن رحابة الإسلام وخطابه التنويري الذي جاء للحد من سلطة الأسطورة والخرافة وعقلنة الأمور، لكن ما يحدث أن مثل هذه التصرفات تعود بنتائج سلبية على الإسلام والمسلمين في العالم بأسره!

[email protected]

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock