أفكار ومواقف

تراث وتاريخ.. مهجور عمدا

لم أزر العاصمة البريطانية لندن، لكنني أعلم بأن السلطات هناك تمنع العبث أو حتى التجديد الخارجي لأبنيتها القديمة سواء كانت مؤسسات ودوائر رسمية أو حتى تلك المباني التي تتبع لملكيات خاصة، وبالتحديد المتواجدة في وسط (عاصمة الضباب).. وذلك كله بهدف واحد هو المحافظة على تاريخ المدينة وإرثها، وحتى استغلالها سياحيا.
أما نحن في الأردن، للأسف، وكأننا نتعمد بطريقة أو أخرى “العبث” أو “الهجر” عمدا لإرثنا وتاريخنا وحضارتنا.. فها هو قصر “الملك المؤسس” في معان، حاضنة الثورة العربية الكبرى، يُصبح مكانا مهجورا منذ ما يقرب من العقد ونصف العقد.
هذا القصر، الذي استخدمه الملك المؤسس الشهيد عبدالله الأول في 21 تشرين الثاني 1920، كمقر وأطلق عليه وقتها “مقر الدفاع الوطني”، كان الأولى أن يكون قبلة للسياح والزوار وطلبة المدارس والجامعات، خصوصا أن جلالة الملك أوعز في العام 2000 إلى المعنيين بتحويل هذا القصر إلى متحف وطني، وذلك بعد إجراء أعمال الصيانة والترميم اللازمة له.
كل دول العالم تعطي أهمية خاصة وأولوية لمقرات حكامها أو مباني مؤسساتها القديمة، وتعمل على تحويلها إلى متاحف وطنية ومعالم حضارية، تكون شواهد حول تاريخها ونشأتها وتأسيسها، وتمنع العبث بها أو تغيير ملامحها، فمثلا المباني القديمة وسط لندن مسموح بتحديثها وترميمها داخليا فقط أما خارجيا فيمنع ذلك، لتظل شاهدا على عبق تاريخ ومراحل سادت تلك الدولة.
عمر الدولة الأردنية مائة عام، ويجب أن نحافظ ونرمم مقرات المؤسسات والدوائر الحكومية وحتى المباني القديمة، والإبقاء على شكلها الخارجي كما هو لتدل على حقبة تاريخية معينة، وذلك كله بُغية أن تكون أولا شاهدا على تاريخ دولة، الجميع يعتز بها، وثانيا تعليم أبنائنا كيفية المحافظة على التراث والتاريخ رغم حداثة الأردن، وثالثا لتكون قبلة للسياح.
حتى المباني القديمة في وسط عمان أو مدن المملكة الرئيسة، والتي كانت شاهدة على تراث أو عبق تاريخ، تم هدمها وإنشاء أبنية حديثة محلها لا تمت للأصالة والماضي بشيء.
مشروع وطني، كقصر “الملك المؤسس” تبدأ عمليات تطويره وترميمه وصيانته في العام 2005 ولم تنته حتى هذه اللحظة، بعد أن توقفت تلك الأعمال في العام 2009.. دليل قاطع على عدم جدية ونسيان وعدم اهتمام من قبل مؤسسات الدولة ومسؤوليها، ما يعرض تلك المباني لطمس وتغييب ماض يعتز به الكثير.
وما يؤكد ذلك، أن تبعية القصر عائدة إلى جامعة الحسين بن طلال، بينما الأولى أن تكون عائدة لوزارة السياحة والآثار، كونها الجهة الوحيدة التي تستطيع الحفاظ على القصر وإعطائه الاهتمام الكبير.
ويبقى السؤال، لماذا يبقى قصر “الملك المؤسس” مهجورا منذ 14 عاما؟، وما هي أسباب تعثر إعادة استكمال أعمال المشروع؟، مع العلم أنه تم تخصيص مبلغ حوالي 1.7 مليون دينار لإعادة ترميمه، بالمقابل تم دفع نحو 2 مليون دينار بدل تعويضات ومستحقات، للمقاول الذي لم يكمل المشروع لتأخر صرف مستحقاته المالية.
قصر شهد إصدار أول صحيفة أردنية “الحق يعلو” وانطلقت منه رحلة التأسيس للدولة الأردنية، تتعرض بعض موجوداته للسرقة ومرافقه لكسر وعبث، بينما تسببت أسلاك الكهرباء المكشوفة فيه قبل نحو 5 أعوام بوفاة عامل إثر تعرضه لصعقة كهربائية.. يضع ألف إشارة استفهام وتعجب!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock