أفكار ومواقف

ترامب: هل نقول وداعا؟

خالد دلال

ستحظى شخصية الرئيس الأميركي الخامس والأربعين، والمنتهية ولايته خلال أيام، دونالد ترامب، بالكثير من التحليل والتقييم من قبل المتخصصين وكبرى مراكز البحث والدراسات والجامعات خلال الفترة المقبلة. وقد حظيت ببعض ذلك طيلة فترة رئاسته عبر الأعوام الأربعة الماضية. فهو يعد وبحق من أكثر الرؤساء جدلية وإثارة في التاريخ الأميركي لشخصيته، التي أقل ما يمكن أن توصف دبلوماسيا بأنها لا يمكن التنبؤ بها، وتتسم في الغالب بحدية قراراتها وغرابتها، سواء على مستوى الداخل الأميركي، وحتى في سياسته الخارجية.
ويأتي كتاب “حالة دونالد ترامب الغريبة” للبروفيسور في علم النفس، دان ماك آدمز، والصادر عن جامعة أكسفورد العريقة، ليلقي الضوء على هذه الشخصية، لينتهي آدمز، ومن خلال مقابلات أجراها عبر عدد من وسائل الإعلام، إلى استنتاج مفاده أن من أهم سمات شخصية ترامب “أنه لا يعترف أبداً بالهزيمة في أي شيء في حياته، ولا يكترث بأي حقائق تقول عكس ذلك”، مؤكدا، وهذا مجمل القول، أن “حياة ترامب كلها تتعلق بحبه لنفسه”!
ويقودنا هذا، بمعنى آخر، إلى أن ترامب، وكما وصفه العديد من السياسيين وعلماء النفس وحتى بعض أقاربه: “نرجسي” إلى حد لم يشهده العالم بهذه الدرجة في رؤساء الولايات المتحدة من قبل.
ورغم كل ما سبق، فإن أكثر السمات في شخصية ترامب حدة وخطورة على محيطه تكمن في الانفراد بالرأي والسرعة في اتخاذ القرار، سواء على الصعيد الأميركي أو الدولي، بمعزل عما قد يسببه هذا الأمر من حرج وحتى أذى للآخرين، خصوصا عندما يصاحب الأمر، وهو حاله الغالب، نوع من عدم التسامح ضد كل من يعارضه! ولعل ذلك السبب وراء طرده العديد من المسؤولين والمستشارين في إدارته. لكن الأدهى حالة التوجس والخوف والترقب من قراراته وأثرها على مستقبل شعوب العالم، ولنا فيما قام به من تنكيل بحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية مثال، خصوصا ما يتعلق بصفقة القرن المجحفة.
لكن السؤال الأهم، وترامب يعد ساعاته الأخيرة في البيت الأبيض: هل فعلا انتهى ترامب سياسيا، خصوصا وسط اتهامات الديمقراطيين له بالتحريض على أحداث اقتحام الكونغرس الأميركي من قبل مناصريه مؤخرا؟
لن يكون الجواب سهلا، لكنه وبالنظر إلى ما تقدم من محددات شخصية ترامب، فهو لن يستسلم أبدا، وسيعمل جاهدا في وسطه الجمهوري خلال الأعوام الأربعة المقبلة من حكم الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن، على المناكفة السياسية وبقوة عبر الإعلام للاستمرار بجذب أنصاره من خلال التشكيك المستمر بنزاهة الانتخابات التي فاز بها بايدن، وصولا ربما إلى الترشح للرئاسة مجددا في العام 2024. وهذا يطرح سؤالا جوهريا إذا ما كانت وسائل الإعلام الأميركية مستعدة لمنحه مساحة للتحرك في فضاءاتها. فمن وجهة نظره، سيكون هذا حقه الديمقراطي، وحق أكثر من 70 مليون ناخب أميركي أدلوا بأصواتهم له. لكنه سيكون أيضا من حق وسائل الإعلام أن تقرر منحه منصاتها أم لا، خصوصا بعد أحداث الكونغرس الأخيرة. هذا مع الإشارة إلى أن قرار فيسبوك وتويتر مؤخرا بمنع ترامب من استخدام منصاتهما، إثر الاعتداء على الكونغرس والاتهامات له بالتحريض على ذلك، جعل منه إنسانا مجردا من مكامن قوته، بعد أن كانت، وخصوصا تويتر، ساحته المفضلة للتواصل مع العالم من حوله، وصدمه بلغته الانفعالية الحادة.
فعلا شخصية ترامب تستحق الدراسة، لكن ما يستحق الدراسة أكثر هو العوامل التي أوصلت ترامب للسلطة، والأسباب التي أقصته منها، في إطار اللعبة الديمقراطية في النظام السياسي المؤسسي للولايات المتحدة. وسيكون في ذلك دروس للعالم بأسره.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock