ترجمات

ترامب هو الذي دفع إيران إلى أحضان الصين

سعيد الجعفري* – (فورين بوليسي) 8/8/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

دعا المتشددون في طهران إلى توثيق العلاقات مع الصين لسنوات، لكن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي منحهم ما يريدون. وكان خصوم روحاني المتشددين قد انتقدوه بشدة لما وصفوه بـ”التمحور نحو الغرب”، قائلين إنه تجاهل الشرق بلا داع. وتتجذر المشاعر المؤيدة للشرق في إيران في نمطين رئيسيين من التفكير. فمن ناحية، تفضل الجماعات المتشددة انتهاج أسلوب حكم استبدادي مشابه لأسلوب الصين وروسيا، ولديها القليل من العناية بالطرق الديمقراطية للغرب. ومن ناحية أخرى، لدى العديد من المجموعات في إيران علاقات تجارية واسعة النطاق مع الصين، وكانت قلقة من أن احتمال أن تتعطل هذه العلاقات إذا بدأت إيران في استثمار العلاقات الاقتصادية مع الشركات الأوروبية والأميركية.

  • * *
    عندما أعلن حسن روحاني في الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية الإيرانية للعام 2013 أنه سيكون من الأفضل والأسهل التفاوض مع الولايات المتحدة كـ”زعيم القرية”، كان من الصعب أن نتخيل في ذلك الوقت أن العلاقات مع الولايات المتحدة، بعد سبع سنوات من رئاسته، ستقطع فعليًا وأنه سيكون بصدد التفاوض على اتفاقية مدتها 25 عامًا مع الصين.
    يُعد روحاني معتدلاً في إيران، وقد فاز بسباق الانتخابات الرئاسية في العام 2013 واعدًا بتهدئة التوترات مع الغرب، في تناقض حاد مع توجهات سلفه، محمود أحمدي نجاد، الذي فضل تحول إيران نحو الصين.
    وقد جلب ذلك التحول إلى الرأي العام تنافسًا داخل البلاد بين الإصلاحيين ذوي العقلية الغربية، والمتشددين الموالين للصين، في صدام ما يزال مستمراً منذ ثورة العام 1979.
    وكان لصعود فصيل على حساب الآخر في نقاط مختلفة تأثير كبير على اتجاهات السياسة الإيرانية. فقد حسنت حكومة الرئيس الإصلاحي، محمد خاتمي (من 1997 إلى 2005)، علاقاتها مع الدول الأوروبية في إطار عقيدة “التفاعل البناء”، لكن خلفه المباشر، أحمدي نجاد (الذي كان رئيسًا من 2005 إلى 2013)، اختار تركيز سياسته الخارجية على بناء علاقات أوثق مع روسيا والصين. وفي نهاية ولاية أحمدي نجاد، بينما كانت العقوبات الدولية تدفع الاقتصاد الإيراني إلى الجثو على كبتيه، أراد الجمهور الإيراني مرة أخرى إعادة التمحور نحو الغرب.
    وقد استغل روحاني هذا الشعور وفاز بالرئاسة على أساس وعده بحل القضايا المتعلقة بالعقوبات الدولية والبرنامج النووي الإيراني. ووضع كل رأسماله السياسي في التفاوض مع الغرب بشأن البرنامج النووي، وهو ما أسفر في نهاية المطاف عن اتفاق العام 2015 التاريخي الذي وضع قيودًا صارمة على القدرات النووية الإيرانية مقابل رفع العقوبات وإلغاء جميع قرارات مجلس الأمن الدولي المناهضة لإيران.
    لكن خصوم روحاني المتشددين انتقدوه بشدة لما وصفوه بـ”التمحور نحو الغرب”، قائلين إنه تجاهل الشرق بلا داع. وتتجذر المشاعر المؤيدة للشرق في إيران في نمطين رئيسيين من التفكير. فمن ناحية، تفضل الجماعات المتشددة انتهاج أسلوب حكم استبدادي مشابه لأسلوب الصين وروسيا، ولديها القليل من العناية بالطرق الديمقراطية للغرب. ومن ناحية أخرى، لدى العديد من المجموعات في إيران علاقات تجارية واسعة النطاق مع الصين، وكانت قلقة من أن احتمال أن تتعطل هذه العلاقات إذا بدأت إيران في استثمار العلاقات الاقتصادية مع الشركات الأوروبية والأميركية.
    كانت هذه هي القوى التي ترتب على روحاني أن يوازن بينها أثناء مفاوضاته مع الغرب. وعندما كان الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في منصبه، عملت هذه التوازنات لصالحه في الغالب.
    لكن النهج المتشدد الذي اتبعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدد آمال إدارة روحاني. وعندما أعلن ترامب في أيار (مايو) من العام 2018 أن الولايات المتحدة ستنسحب من الاتفاق النووي، فقد أفسد ذلك فعليًا المكاسب التي حققها روحاني وحلفاؤه وأعطى أهمية متجددة للمتشددين في البلاد. والآن، بعد أكثر من عامين من الضغط الاقتصادي المعوّق، يبدو أن روحاني قرر أن الطريقة الوحيدة لإنقاذ إيران هي الانصياع لمطالب المتشددين والتوجه نحو الشرق.
    في 21 حزيران (يونيو)، وافق مجلس الوزراء الإيراني على مسودة اتفاقية مدتها 25 عامًا بين إيران والصين. ولم يتم الإعلان عن تفاصيل الاتفاقية، وكانت هناك الكثير من التكهنات حول محتوياتها. لكن القلق العام المتزايد بشأن الصفقة أجبر كبار المسؤولين على التعليق على الصفقة. وبينما توصف رسميًا بأنها شراكة اقتصادية، فإن هناك تكهنات بأنها سوف تنطوي على مكون عسكري.
    من شأن أي اتفاقيات دفاعية أن تعمق الشراكة الأمنية المتنامية بين طهران وبكين في السنوات التي أعقبت انسحاب ترامب من الاتفاق النووي. وقد أجرت إيران تدريبات عسكرية مشتركة مع الصين وروسيا في المحيط الهندي وخليج عمان في كانون الأول (ديسمبر)، وكانت هناك بعض التقارير غير المؤكدة التي تحدثت عن وجود قوات صينية في إيران. كما ترددت إشاعات تقول إن الاتفاقية الأخيرة يمكن أن تمنح الصين وصولاً إلى جزيرة كيش في الخليج العربي.
    ووفقًا لتقرير تم الاستشهاد به على نطاق واسع خلال المفاوضات التي جرت في أيلول (سبتمبر)، فقد وافقت الصين على استثمار مبلغ 280 مليار دولار لتطوير قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات في إيران. وسيكون هناك أيضًا استثمار آخر بقيمة 120 مليار دولار في تحديث البنية التحتية للنقل والتصنيع في البلد. ووفقًا للتقرير، سوف تحتفظ الصين بنفوذ غير عادي على الشركات في هذه القطاعات، وسيتم السماح لأفراد الأمن الصينيين بحماية المصالح الاقتصادية لبكين في إيران.
    لكن وزير الخارجية محمد جواد ظريف نفى هذه الأخبار في 16 تموز (يوليو)، وقال: “لم نعط ولن نتنازل حتى عن شبر واحد من الأراضي الإيرانية. لن نمنح الصين أو أي دولة أخرى الحق الحصري في استخدام متر واحد من الأراضي الإيرانية”.
    ونفى ظريف معظم الشروط الأخرى المذكورة ف يالتقرير. ورفض فكرة تسليم جزر إيرانية في الخليج الفارسي ومنح احتكار ببيع النفط الإيراني للصين بأسعار منخفضة، ونشر قوات مسلحة صينية في إيران.
    على الرغم من أن الحكومتين لم تصادقا على الاتفاقية حتى الآن، إلا أنها تمثل إشارة رئيسية إلى أن الإصلاحيين مثل روحاني فقدوا زمام المبادرة في طهران، وأن محاولتهم الناجحة سابقًا لجعل إيران أقرب إلى الغرب قد ماتت الآن. وقد استغل المتشددون مناسبة انسحاب ترامب من الاتفاق النووي لتوطيد العلاقات الأمنية والاقتصادية والسياسية مع الصين.
    لا يبشر المستقبل بالخير بالنسبة للمعسكر الإصلاحي في إيران. ويشكل انتهاء مشاركة واشنطن في الاتفاق النووي، إلى جانب الاتفاق الأخير مع الصين، إلى حد كبير إثباتاً على غلبة المتشددين المؤيدين للشرق، وسوف يدفع الإصلاحيون، مثل روحاني، ثمناً سياسيًا في الانتخابات المستقبلية، خاصة إذا كانت العلاقة مع الصين ستنقذ الاقتصاد الإيراني.
    في ذروة الحرب الباردة، عندما كانت إيران ما تزال تُعد جزءًا لا يتجزأ من الكتلة الغربية، كانت طهران ما تزال تحافظ على علاقات اقتصادية جيدة مع الاتحاد السوفياتي كوسيلة لموازنة المنافسة بين القوى العظمى في المنطقة. وحتى بعد ثورة العام 1979 وتصاعد العواطف المناهضة للولايات المتحدة التي أعقبتها، حاولت الحكومة في طهران دائمًا الحفاظ على توازن بين الشرق والغرب من أجل إفادة النظام الحاكم على المدى الطويل. والآن، أجبر نهج إدارة ترامب المتشدد تجاه إيران النظام على اختيار جانب، وقرر القادة الإيرانيون أن اختيار الصين هو الخيار الوحيد المتبقي القابل للتطبيق.

*صحفي إيراني ومحلل شؤون الشرق الأوسط.
*نشر هذا التحليل تحت عنوان: Trump Has Pushed Iran Into China’s Arms

انتخابات 2020
28 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock