أفكار ومواقف

ترجمة إدوارد سعيد..!

ستة عشر عاماً مرت بالأمس على رحيل المفكر الفلسطيني والعالمي إدوارد سعيد، بعد صراع عنيد مع اللوكيميا زاد عن 12 عاماً. ولن يتسع مقال لاستذكار إسهاماته الهائلة في المعرفة الإنسانية أو خدمته للقضايا الفلسطينية والعربية وانطاق المستضعفين. لكنّ ثمة عاملاً يتداخل مع عمله ويؤثر للغاية فيه –ولو أنه خارج عنه، نظريا: ترجمات أعماله –إلى العربية بالنسبة لنا.
كتب إدوارد سعيد بإنجليزية عالية جدا. وبطريقته العبقرية الخاصة في إعادة قراءة العالم واستنطاق نظرياته واستكشاف زواياه، كان من الحتمي أن يتسم عمله بصفتين: الدقة البالغة في التعبير المفاهيمي واختيار المفردات التي لا يؤدي غيرها –حتى من مرادفاتها- دورها الدلالي في موضعها؛ وابتكار مفردات –أو منح معنى جديد لمفردات قديمة- وابتكار تركيبات لغوية جديدة حتى على اللغة الإنجليزية نفسها، والتي دخلت المعجم والاستخدام اليومي. وكان من الطبيعي، بالنسبة للذين لا يعرفون الإنجليزية بعمق، أن يكون إدوارد سعيد وأفكاره هما ما تعرضه لهم ترجمات أعماله.
وضع ذلك مسؤولية كبيرة على كاهل الذين اضطلعوا بمهمة ترجمة سعيد، كما يحدُث عادة مع ترجمة الأعمال الفكرية العميقة. ولا يتعلق الأمر لدى ترجمة عمل مفكر كبير ومجدّد مثل سعيد بمدى تقدير المترجم لهذه المسؤولية فحسب، وإنما يتعلق أكثر بالأدوات المعرفية واللغوية والهبات الطبيعية التي تلزم جميعا للاقتراب أكثر ما يمكن من إبلاغ ما قاله سعيد كما أراد أن يقوله. ولذلك، تعرَّضت بعض محاولات ترجمة سعيد إلى النقد، وبدا سعيد لبعض قرائه العرب –بسبب تلك الترجمات في جزء منه- غير مفهوم ويصعب معرفة ما يقول. بل إن سعيد نفسه، كما سمعت من أصدقاء مقرّبين منه، غضب من ردود الفعل على ترجمات بعض من كتبه وشعر بالخذلان.
بعض مترجمي سعيد لم يبذلوا ما يكفي من الجهد لمعاودة سؤال النص عما أراد قوله عندما لم يفهموه، أو أنهم اكتفوا بما وصلهم للوهلة الأولى. والبعض الآخر ربما لم يمتلكوا مستوى اللغة اللازم لإقامة حوار مع النص بحيث يتحقق التفاهم والفهم. وثمة آخرون لم يميّزوا المسافة بين عمل المترجم وعمل الشارح المؤوِّل، فحولوا الترجمات إلى شروحات، مثلما يؤلف البعض كتباً تشرح مفردات القصائد الجاهلية –مع فارق أنهم لا يشرحون هنا مفردات، وإنما يؤولون أفكاراً ونظريات. وقد قرأت ذات مرة مُراجعاً يمتدح أحد مترجمي سعيد على هذا بالذات، واصفاً المترجم بأنه “ليس حرفياً” لأنه تدخل بعرض رؤاه وتأويلاته الخاصة! وهناك مترجمون تأخذهم ميولهم اللغوية إلى فرض روح على النص، فيجعلونه كلاسيكياً محتاجاً إلى شارح مثل لغة الجاحظ، أو أنهم لا يمتلكون السعة اللغوية للتفاهم مع روحيّة النص وعصره وبيئته ولهجته.
من شبه المستحيل أن لا تتأثر الترجمة بمختلف العناصر الذاتية والموضوعية التي تُشكل المترجم، كمترجم. لكنّ المتوقع هو العثور على طريقة تبقي النص الأصلي قريباً من نفسه قدر الإمكان، وهذا مشروط بالقدرة على فهم هذه “النفس” والتعرف إليها على طريقة الصديق الوثيق المحب، وليس صاحب “علاقة العمل” الجافة. وستفيد كثيراً، في الحقيقة، المعرفة عن التاريخ الشخصي لصاحب النص الأصلي، والسماع عن تعاملاته وطريقته، وعصبيته أو هدوئه، ورؤيته وهو يتحدث إذا أمكن، وقراءة ما أمكن من عمله غير ذلك المقصود بالترجمة بالتحديد.
بالنسبة لترجمة نتاج من نوعية عمل سعيد –وبالتأكيد كل أعمال الفِكر العميق- ربما يَحسُن أن تكون عمل فريق. ربما لا يكفي أن يشرع مترجم في العمل مطارداً بإطار زمني، ثم يذهب عمله سريعاً إلى مراجع يغلب أنه لن يدقق في كل شيء. ربما يلزم أن يتشاور المترجم مع زميل أو زملاء، ودارسين مختصين بعمل سعيد، عندما يشتبه في فهمه للمعنى. ربما يجب أن يتحرر المترجم من الثقة الزائدة بالنفس، وأن يجري الكثير من الاستنطاق لعمله ومنطقه، وأن يُحاول مقاربته من زاوية القارئ. ويلزم الكثير، والكثير جداً من الدراسة والبحث والإصرار العنيد على الفهم ومفاوضة المفردات في اللغة الهدف وعدم القبول بأول ما يعرض نفسه منها وكأنها بلا بدائل.
لا شيء يمنع من مراجعة ترجمات سعيد، وإعادة الترجمة كلها حيث يلزم. ففي النهاية، يستحق إدوارد سعيد أن نعرفه ونفهمه بأكبر قدر ممكن.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock