آخر الأخبار حياتناحياتنا

تردي الواقع المعيشي يدفع الأسر للبحث عن منافذ عديدة لزيادة الدخل

منى أبو حمور

عمان– لم تتوقع الستينية أم راكان أن تقدمها بالعمر وحاجتها للراحة والاستقرار سيكونان ترفا مع الوضع المعيشي الصعب الذي تعاني منه أسرتها، ومتاعب حياتية تزداد يوما بعد آخر.
وبألم ووجع يعتصران قلبها، تخرج كل صباح للبحث عن عمل قريب من المنزل، لعلها تجد في أحد البيوت التي تطرقها فرصة عمل في شيء تتمكن من القيام به، كالطبخ أو التنظيف، لعلها تؤمن قوت يومها وتزيد من دخل أسرتها.
“نعم أولادي يعملون ولكن الظروف صعبة والرواتب المتدنية لا تكفي الالتزامات”.. بهذه الكلمات تبرر أم راكان بحثها عن عمل، فلم تعد الرواتب تسد ما على أسرتها من التزامات ونفقات وأجور، مشيرة إلى أن بحثها عن عمل أصبح ضرورة “للعيش”.
وبالرغم من تقدم أم راكان في العمر وصعوبة خروجها من المنزل، إلا أن الحاجة والعوز جعلاها تتجاوز الكبر والشعور بالتعب ليبقى همها الوحيد هو البحث عن مصدر رزق مهما كان ذلك شاقا.
وما بين تنظيف البيوت وإعداد الولائم ورعاية الأطفال، تقضي أم راكان معظم الشهر في التنقل بين البيوت لتأمين رزقها ورزق أبنائها، ولكي لا يضطروا لأن يمدوا يدهم لأحد بيوم من الأيام.
حال أم راكان حال الكثير من الأمهات اللواتي أصبحن يجدن في بحثهن عن عمل حاجة ملحة، في الوقت الذي يعمل فيه معظم أرباب الأسر عملين وثلاثا بدون جدوى، فما يترتب على الأسرة نهاية الشهر من فواتير والتزامات، أمر يفوق التحمل.
الظروف الاقتصادية الصعبة، وصعوبة الحياة، دفعتا مئات الأفراد من الأسر الأردنية للبحث عن منافذ لزيادة دخلهم وتحسين مستواهم المعيشي، في ظل ارتفاع مستمر في الأسعار أنهكت جيب المواطن. ولم يعد عمل أفراد الأسرة مقتصرا على الوظائف، فقد أجبرت الظروف الاقتصادية الصعبة بعض الشباب على التنقل أسبوعيا بين أعمال مختلفة لعلهم يؤمنون مصروف أسبوعهم.
الثلاثيني عودة جميل يتنقل أسبوعيا بين بسطات الخضرة والبالات، يعمل أسبوعا هنا وأسابيع في مكان آخر ليشارك في مصروف البيت. هو يعترف أنه لا يملك حتى ترف النوم باليوم لأربع ساعات، لأنه يخاف ألا يستطيع أن يجد عملا يؤمن دخلا يجلب أبسط متطلبات الحياة له ولأسرته.
الأمر سيان مع العشرينية سناء أمجد التي تتواصل مع جميع إعلانات التوظيف عبر مواقع التواصل الاجتماعي لعلها تجد في نهاية اليوم عملا تتمكن من خلاله من مساعدة عائلتها على دفع إيجار البيت.
تقول “لم تعد طبيعة العمل مهمة، فليس عيبا أن أعمل ولكن البحث عن الأمان ودفع التزامات البيت هما هدفي”، لافتة إلى أنها كانت في الماضي تهتم بتفاصيل العمل وساعات الدوام وقربه ومن المنزل، إلا أنها الآن باتت تسعى للحصول على العمل من أجل الراتب والباقي أصبح بالنسبة لها مجرد تفاصيل.
خبير علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي، بدوره، يشير إلى تغير ثقافة العمل لدى المواطن الأردني الذي أصبح يقبل بخيارات كثيرة أمامه، غير مكترث لبيئة العمل والراتب والظروف المحيطة به، ساعيا فقط وراء تأمين لقمة العيش له ولعائلته.
ويقول الخزاعي إن محدودية الرواتب والظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها المجتمع الأردني وازدياد تكاليف المعيشة، كلها أمور دفعت المواطنين للاعتماد على أنفسهم والمشاركة وتحمل المسؤولية ومساندة أسرهم، والنساء يعملن قبل الرجال والصغار قبل الشباب.
ومن منظور علم الاجتماع، يؤكد الخزاعي أن مشاركة جميع أفراد الأسرة في العمل لتأمين لقمة العيش لها إسقاطات كبيرة على وعي المواطن في البحث عن العمل؛ حيث بلغت نسبة خريجي الجامعات الذين قدموا لديوان الخدمة المدنية 25 % وفق دائرة الإحصاءات العامة، ما يعني عدم الاعتماد على الحكومة في الحصول على وظيفة، فضلا عن تعزيز ثقافة قبول أي فرصة عمل وكذلك فكرة قبول فرصة العمل المنزلي.
ومن جهة أخرى، يشكل العمل في ظروف بيئية غير مناسبة مخاطر على النسيج الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية، فأصبح أفراد العائلة همهم الوحيد هو البحث عن فرصة عمل وتأمين لقمة العيش مهما كانت الظروف ومهما كان الأجر، فيفني يومه في العمل مقابل بضعة دنانير تكاد تفي متطلبات بيته.
خبير علم الاقتصاد الاجتماعي حسام عايش، بدوره، يشير إلى أن الأوضاع الاقتصادية الضاغطة وارتفاع تكاليف المعيشة ومتطلبات الحياة اليومية، تجعل جميع أفراد الأسرة يبحثون عن عمل واثنين وثلاثة، لزيادة الدخل من أجل مواجهة أعباء الحياة المتغيرة والمرتفعة.
إلى ذلك، يؤشر عايش على ارتفاع حجم الباحثين عن عمل من أجل الحصول على دخل يكفيهم وأطفالهم، كل ذلك يضطرهم للعمل في ظروف شاقة وبدون حماية ولأوقات طويلة.
ووفق عايش، فإنه ومع عوائد التنمية مع ضآلة حجمها بالقياس مع تراجع معدلات النمو الاقتصادي وغياب التوزيع العادل والمتكافئ بين أفراد المجتمع، تظهر هذه الحالات وتصبح الأسر تبحث عن عمل هنا وهناك لتأمين أبسط مستلزمات الحياة.
ويجد عايش أن هذا النوع من العمل غير الرسمي لا يعد تمكينا اقتصاديا، فهو خروج اضطراري للبحث عن عمل يفي بمتطلبات الحاجة الأساسية الأولية لهذه الأسر، والأمر لا يقتصر على الأردن فحسب، ففي ثنايا المجتمع العربي الواسع تكثر هذه الحالات وتزداد، خصوصا مع زيادة الحكومات للضرائب ورفع الدعم عن السلع الضرورية وفرض ضرائب على السلع التي يستهلكها الفقراء لتتساوى مع الضرائب التي يستهلكها الأغنياء وأصحاب الدخل المرتفع والثروة.
العدالة الاجتماعية تقتضي أن يكون هناك تنظيم في المجتمع، وتبدأ من إعادة وتبويب للضرائب، وخصوصا ضريبة المبيعات، وهذا يستدعي أن يكون هناك وسائل مختلفة تسمح لكل الأسر بالحصول على الحد المعقول والمناسب من الدخل للوفاء بالالتزامات المعيشية والحياتية بكرامة، وهذا يستدعي بما يسمى باقتصاد السوق الاجتماعي الذي كثيرا ما تتحدث الحكومات عنه وتعمل من أجل تحقيقه وتتفاخر به.
ويضيف “نحن على أرض الواقع نعيش حالة اقتصادية تعصف بالكثير من القواعد المتعارف عليها وتدفع الكثير من الأسر للبحث عن أكثر من عمل وتدفع بالكثير من النساء للعمل في ظروف ليست ذات قيمة حقيقية وإن كانت تحقق مردودا، وتدفع الأطفال لترك المدارس ليس من أجل الحصول على مهنة أو حرفة وإنما من أجل الحصول على الدخل”.
ويذهب عايش إلى أن هناك رجالا يعملون لساعات طويلة تتجاوز الـ16 ساعة فقط لتدبير دخل يفي بمتطلبات الأسرة الأولية، ومع ذلك أرقام الفقر ترتفع وغياب العدالة يزداد، والنتيجة النهائية لذلك أن المجتمع غير راض بالنهج الاقتصادي السائد وبأدواته المتوفرة.
ويبين عايش أن المحاولات لرفع المستوى المعيشي من خلال صندوق المعونة الوطنية، ينبغي أن تكون مختلفة من خلال تحول هذه الصناديق من وسائل مساعدة إلى وسائل تمكين للناس من خلال مشاريع يمكنها أن توفر دخلا ثابتا للناس من خلال عملهم وليس فقط انتظار الحصول على منحة حكومية هنا أو هناك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock