ترجمات

تركيا.. من “صفر مشاكل” إلى صفر أصدقاء

تقرير خاص – (أحوال تركية) 8/2/2021

كانت عبارة “لا مشاكل مع الجيران” ذات يوم هي الشعار التوجيهي لسياسة تركيا الخارجية. ولكن، لم يتبق من ذلك الشعار سوى القليل الآن. فقد دفع اعتماد تركيا المتزايد على القوة العسكرية لتحقيق أهدافها إلى إثارة الصراعات مع جيرانها، حيث تحدت الخصوم والحلفاء التقليديين على حد سواء.
بهذه السطور افتتحت الكاتبة آيلا جين فاكلي مقالها في صحيفة “بوليتكو”، مؤكدة أن صدى السلوك التركي امتد الى منطقة القوقاز عندما ألقى الرئيس رجب طيب أردوغان بثقل بلاده خلف الحليف الوثيق، أذربيجان. وبعد اندلاع العمليات الحربية مع أرمينيا، قدمت انقرة السلاح والعتاد والمعدات العسكرية، ورفضت الانصياع إلى الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار. ويوضح هذا الموقف المتشدد استعداد أنقرة لاستعراض قوتها العسكرية لتحقيق ما لم تحققه من خلال الدبلوماسية.
وتضيف الكاتبة أن هذا الموقف أدى في الداخل إلى حشد التأييد بين عامة الناس الذين ظلوا لفترة طويلة يشككون في التدخل الخارجي في شؤون البلاد، ويتوقون إلى إبراز النفوذ الذي يعيد الثقة ويعزز الوجود العسكري والمكانة التاريخية لتركيا.
وكان أردوغان قد قال بعد اجتماع لمجلس الوزراء في أوائل تشرين الأول (أكتوبر): “لقد حصلت تركيا على القوة اللازمة لتنفيذ خططها السياسية والاقتصادية على الأرض بدعم عسكري فعال”، وأضاف أن “أولئك الذين اعتادوا التحدث إلينا بلهجة متسلطة أصبحوا الآن يتفاوضون معنا بشروط متساوية… لقد أحبطنا سياساتهم بالكامل فكفوا عن إخضاعنا للقرارات المتخذة من دوننا في جميع المسائل الإقليمية والعالمية”.
وقد ثبت حتى الآن أن التهديدات بفرض عقوبات من جانب الاتحاد الأوروبي على نفوذ أنقرة في ليبيا والبحر الأبيض المتوسط كانت فارغة. وبحسب الكاتبة، فإن تركيا، في العام الماضي وحده، أثارت غضب جيرانها -وكثيراً ما تحدت روسيا وأوروبا والولايات المتحدة- بشن عمليتين عسكريتين في سورية، ونشر قوات الكوماندوز في العراق، وتغيير مسار الحرب في ليبيا، وإرسال سفن حربية للبحث عن الهيدروكربونات في المياه التي تطالب بها اليونان وقبرص.
ومن جانب آخر، تنفي تركيا التقارير عن إرسال مرتزقة وطائرات مقاتلة إلى أذربيجان، لكنها رفضت في الوقت نفسه دعوات إلى وقف إطلاق النار كانت قد وجهته مجموعة مينسك حتى عودة جيب قره باغ إلى السيطرة الأذربيجانية، وهو ما حصل فعلاً.
يقول آلان ماكوفسكي، الزميل البارز في مركز التقدم الأميركي الذي عمل سابقاً في وزارة الخارجية الأميركية، إن معظم الدول الإقليمية والغربية غير راضية عن نزعات تركيا العدوانية، لكنها تعمل حتى الآن بشكل أساسي لصالح الأتراك.
ويؤكد الكاتب أن تركيا قامت باستعراض قوتها بجلبها إلى قلب الحرب الأهلية في ليبيا، حيث أدى دعمها العسكري للحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس إلى قلب موازين المواجهة، كما أبرمت صفقات تجارية للاستثمار في مجال الطاقة مع طرابلس وعقدت جهود دول البحر الأبيض المتوسط الأخرى لاستغلال ثروة محتملة من الغاز الطبيعي تحت قاع البحر.
وقد ثبت حتى الآن أن التهديدات بفرض عقوبات من جانب الاتحاد الأوروبي على نفوذ تركيا في ليبيا والبحر الأبيض المتوسط كانت فارغة. كما تمكنت أنقرة من تفادي العقوبات التي قالت الولايات المتحدة إنها ستفرضها بسبب شرائها نظاماً صاروخياً روسياً للدفاع الجوي مصمماً لإسقاط طائرات حلف الناتو.
ويستنتج الكاتب أن من المحتمل أن يكون هذا التراجع قد عزز إيمان أنقرة بأن امتلاك منظومة الصواريخ الروسية هو شأن حاسم للغاية من الناحية الاستراتيجية، والذي قوى موقف تركيا، سواء كان ذلك بسبب القواعد العسكرية التركية التي يستخدمها حلف الناتو أو تهديدات أردوغان بـ”فتح البوابات” إلى أوروبا لملايين اللاجئين الذين يستضيفهم بلده -لمواجهة اي رد فعل يضر بتركيا أو يلحق بها العقوبات من جانب أوروبا.
ويقول صالح بجاكجي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة قادر هاس بإسطنبول: “لقد قيل لتركيا منذ فترة طويلة إنها لا غنى عنها للغرب، وهو ما يغذي في نفسها اليوم عقدة التفوق”. وأضاف أن “قوتها الخشنة تعني أن لديها القوة اللازمة لتغيير قواعد اللعبة”.
من صفر مشاكل إلى صفر أصدقاء
ويخلص الكاتب إلى القول إن تركيا التزمت، لعقود من الزمان، بنظرتها ذات التوجه الغربي إلى حد كبير، والمتناغم مع شعار مؤسس الجمهورية التركية الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك: “السلام في الداخل، السلام في العالم”. وخلال النصف الأول من سنواته السبع عشرة التي قضاها في السلطة، شرع أردوغان في بناء علاقات تجارية ودبلوماسية في جميع أنحاء المنطقة تحت شعار “لا مشاكل مع الجيران”.
وقال سينيم أيدين دوزجيت، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة سابانجي بإسطنبول، إن انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط وافتقار الاتحاد الأوروبي إلى جبهة موحدة، فتحا فراغاً مكّن تركيا من النفاذ إليه ومحاولة ملئه لتؤكد نفسها بقوة أكبر.
وكانت سياسة ملء الفراغ وقلب معادلة “صفر مشاكل” هي استرتيجية السياسة الخارجية المعززة بالسلاح وفرض الأمر الواقع التي سار -ويسير- بموجبها الرئيس أردوغان في علاقاته الدولية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock