ترجمات

تستر عرضي: منصات التواصل الاجتماعي تدمِّر الأدلة على جرائم الحرب

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 26/9/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة


“ارفع يديك عاليا! ارفع يديك عاليا”! يصرخ مسلح بأسير مغطى الرأس والوجه، والذي رفع مسبقاً يديه في الهواء وكان يتحرك في حيرة، غير متأكد على ما يبدو مما ينبغي أن يفعل أكثر من ذلك. ثم أطلق المسلح النار على ضحيته وأسقطه أرضًا قبل أن يطلق المزيد من الرصاص على جسده وهو يقول: “لقد أضلك الشيطان”.
حتى وقت قريب، لم تكن مثل هذه الأعمال الوحشية لتخرج إلى الضوء أبدًا. لكن مقطع فيديو يُظهر جريمة القتل هذه نُشر على “فيسبوك” في العام 2016. وبعد ذلك بعام، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أول مذكرة توقيف لها على الإطلاق، والتي اعتمدت، إلى حد كبير، على مقاطع فيديو نشرها مرتكبو جرائم الحرب أنفسهم في وسائل التواصل الاجتماعي. ودعت المذكرة إلى اعتقال محمود الورفلي، أحد أمراء الحرب الليبيين، واتهمته بأنه هو المسلح في عملية القتل الموصوفة أعلاه، وبأنه المسؤول عن قتل 33 شخصًا في سبعة حوادث تم تصويرها في مقاطع فيديو على “فيسبوك”.
على الرغم من أن الورفلي لم يمثل بعد أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، فإن مذكرة توقيفه كانت بمثابة نقطة تحول. لأول مرة، لن تُستخدم مقاطع الفيديو والصور المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي لجذب انتباه العالم إلى جرائم الحرب فحسب، بل ويمكن أيضًا أن توفر الأمل في تقديم الجناة إلى العدالة. وكتبت إيما إيرفينغ، خبيرة حقوق الإنسان في جامعة ليدن، في مدونة في ذلك الوقت: “هذا منجم من الأدلة المحتملة”. ومع ذلك، وعلى الرغم من كل الوعد الذي انطوى عليه ذلك، فإن استخدام أدلة وسائل التواصل الاجتماعي يثير أيضًا مشاكل حقيقية.
كبداية، تبقى الأدلة المنشورة في وسائل التواصل الاجتماعي أبعد ما تكون عن الكمال. فغالبًا ما يفتقر الأشخاص الذين يسجلون الفظائع إلى الخبرة، أو أنهم قد يكونون متحيزين، وبالتالي يصورون بشكل انتقائي. وقد يشعر المدعون العامون والقضاة بالقلق من احتمال أن اللقطات تم تصويرها أو التلاعب بها أو نسبتها بشكل خاطئ. وسوف تزداد هذه المخاوف بينما يصبح من الأسهل الحصول على أجهزة حاسوب ذات ذكاء اصطناعي لعمل “مزيفات عميقة” أو عمليات تزوير صوتية ومرئية يمكن تصديقها بدرجة كبيرة.
ومع ذلك، نظرًا لصعوبة وخطورة جمع الأدلة في مناطق الحرب، فقد تكون هذه اللقطات هي كل ما يتعين على المدعين أن يبدؤوا منه. فعلى الأقل، يمكن أن تقدم اللقطات خيوطاً جديدة، أو تساعد على تأكيد تقارير شهود العيان والأدلة الأخرى.
قد يكشف المقاتلون الذين يتفاخرون بمآثرهم على “فيسبوك” عن مواقعهم من دون قصد. ويمكنهم أيضًا تزويد المدعين العامين بأدلة على وجود النية والقصد. ويمكن لمثل هذه المعلومات أن تساعد المدعين العامين العاملين على جرائم الحرب على تجميع المعيار الذهبي للأدلة: مزيج من الأصناف المادية، والوثائقية، والشهادات.
في العام 2018، فحصت محطة “بي. بي. سي” مقطع فيديو تم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي والذي يظهر جنودًا يعصبون أعين امرأتين وطفلين ثم يطلقون النار عليهم في الكاميرون. وعلى الرغم من أن حكومة الكاميرون ادعت في البداية أن الفيديو مزيف أو صُور من مكان آخر، إلا أن “بي. بي. سي” ومحققين مستقلين قاموا بمطابقة الجبال الموجودة في خلفية اللقطات مع الخرائط وصور الأقمار الصناعية. ومن خلال تحليل الظلال على الأرض، تمكنوا من معرفة أن عمليات القتل حدثت في العام 2015. ولتحديد الجنود المتورطين، قاموا بمطابقة الأسلحة الموجودة في الفيديو بتلك التي تستخدمها وحدات معينة في الجيش الكاميروني. وعندما دفعها الشعور بالخزي إلى العمل، قامت الحكومة بالتحقيق مع سبعة جنود ومقاضاتهم. وقبل أسبوع تقريباً، حُكم على أربعة منهم بالسجن عشرة أعوام.
العدالة تُحذَف
ومع ذلك، حتى بينما يكتشف المدعون العامون والمحاكم استخدامات مثل هذه الأدلة، فإن الكثير منها يختفي. وقد راجعت “هيومن رايتس ووتش”، وهي جماعة ضغط، مؤخرًا، أدلة وسائل التواصل الاجتماعي التي كانت قد ذكرتها في تقاريرها العامة بين العامين 2007 و2020 (على الرغم من أن معظمها نُشر في الأعوام الخمسة الماضية). ووُجد أن 11 في المائة منها قد اختفى. وواجه آخرون مشاكل مماثلة. وتقدر “الأرشيف السوري”، وهي مجموعة غير ربحية تسجل وتحلل الأدلة على الفظائع المرتكبة في سورية، أن 21 في المائة من قرابة 1.75 مليون مقطع فيديو على “يوتيوب” قامت بتصنيفها حتى حزيران (يونيو) 2020 لم تعد متوفرة. كما اختفى أيضًا ما يقرب من 12 في المائة من مليون تغريدة أو نحو ذلك سجلتها المجموعة.
سوف يتم حذف بعض هذا المحتوى من قبل المستخدمين أنفسهم، لكنّ الكثير منه حذفته شركات الإنترنت، مثل “فيسبوك” و”تويتر”. وفي بعض الأحيان تقوم هذه الشركات بتنظيف المحتوى المرعب لأسباب وجيهة. فهي تريد حماية المستخدمين من مقاطع الفيديو والدعاية المتطرفة. وتحت ضغط النشطاء والحكومات، تبنت الكثير منها سياسات صارمة لضبط المحتوى. ولكن، نظرًا لوجود القليل من اللوائح والتعليمات، إن وجدت، بشأن ما يحدث للمحتوى الذي تزيله شركات وسائل التواصل الاجتماعي، ليس هناك تأكيد على ضرورة الاحتفاظ به إذا لزم لاحقًا كدليل.
ويجعل تعديل الخوارزميات المشكلة أسوأ. في العام 2017، أثبتت خوارزمية جديدة على موقع يوتيوب أنها غير قادرة على التمييز بين المواد التي نشرها تنظيم “داعش” والتي تمجد عمليات القتل التي قام بها، وتلك التي نشرها نشطاء حقوق الإنسان الذين وثقوها. وأزال موقع “يوتيوب” مئات الآلاف من مقاطع الفيديو عن الانتهاكات التي وقعت في سورية. وتمت استعادة العديد من هذه الفيديوهات بعد صرخات احتجاج عام، لكن الخوارزميات الأحدث الآن تقوم بإزالة المحتوى قبل أن يصل إلى الجمهور. ومن بين المحتوى الذي أزاله تطبيق “فيسبوك” بسبب انتهاك إرشاداته بين كانون الثاني (يناير) وآذار (مارس)، تم الإبلاغ عن 93 في المائة من خلال أنظمة آلية، وليس بواسطة مشرفين بشريين. ومن بين هذه العناصر، تمت إزالة النصف قبل أن يراها أي مشاهد.
تجادل مجموعات حقوق الإنسان بأن منصات الإنترنت يجب أن تكون ملزمة بالحفاظ على المحتوى المحذوف، أو نقله إلى أرشيفات مستقلة. وفي سورية، على سبيل المثال، لو لم تقم مجموعة الأرشيف السوري بجمع نسخ من مقاطع الفيديو والتغريدات التي تُظهر الانتهاكات، بضغط مفتاح “سجل”، لكان الكثير من هذه الأدلة قد ضاع، ومعه أي أمل في تحقيق العدالة للعديد ممن خاطروا بحياتهم للإدلاء بالشهادة.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Accidental cover-up: Social-media platforms are destroying evidence of war crimes

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock