آخر الأخبار حياتناحياتنا

تسنيم البطاينة تستند إلى قوة عزيمتها لتعبد طريقها بالنجاح والتفوق

ربى الرياحي

عمان– صاحبة الابتسامة الصادقة والشخصية القوية التي لم تنل منها الحياة بصعوباتها واختباراتها القاسية.. من عيني تسنيم البطاينة الواثقتين يشع الكبرياء والأمل، فهي تعشق الحياة بكل ما فيها.

قررت أن تصادق الفرح وتكون عنوانا للتميز والإرادة من خلال إعاقتها الحركية، فاستحقت أن تسطر النجاح تلو النجاح وتقف بشموخ يأبى الانحناء أمام عراقيل الواقع وتحدياته. إيمانها الكبير ويقينها بأن الله منحها الكثير وأنه ما يزال يخبئ لها الأجمل يجعلها تمضي وكلها ثقة وعزيمة نحو حياة تجهل تفاصيلها لكنها تدرك جيدا حجم العوض الذي ينتظرها على كل لحظة مرة عاشتها وعلى كل وجع وعلى كل اختبار أقلقها.

تسنيم لم تسمح لليأس بأن يقتحم روحها يوما، بل ظلت مقاتلة شرسة تفتش عن حياة منصفة تستطيع فيها أن تحقق جزءا ولو بسيطا من أحلامها الكبيرة التي لا تنتهي. هي تصالحت مع إعاقتها ورضيت بكل ما كتبه الله لها، لكنها في المقابل لم تقبل أن تتنازل عن طموحها فقد كانت تؤمن جيدا بأنه من رحم المعاناة يولد التميز.

تمكنت تسنيم من أن تشق طريق النجاح مستندة إلى عزيمتها القوية وحب والديها لها، فأكملت دراستها حتى أنهت المرحلة الجامعية تخصص علم اجتماع وخدمة اجتماعية، وأيضا خاضت تجربة التدريس المنزلي لكل الصفوف إضافة إلى تأسيسها جمعية “يدي بيد” الخيرية والفوز بعضوية بلدية حكما في إربد مكان سكنها.

مرضها في عمر الأربع سنوات بعد إصابتها بارتفاع في درجة الحرارة الذي نتج عنه ضمور في العضلات هو ما زاد من إرادتها وتصميمها على أن تعيش الحياة محبة لها ومستمتعة بها، كما تقول، فالقوة الكبيرة التي تتمتع بها اليوم هي نتاج سنوات طويلة من التعب والصبر والاجتهاد والإيمان بقدراتها.

وتلفت تسنيم إلى أن والديها قدما لها الكثير منذ أن كانت صغيرة، فقد زرعا فيها الأمل لكي تكون قادرة على تجاوز كل ما يعترضها من محن وعقبات. هي استجابت بكل حب واهتمام لتوجيهاتهما وإصرارهما على أن يصنعا منها شخصا مميزا ومستقلا فتقبلت نفسها أولا ومن ثم عرفت كيف تتقدم خطوة بخطوة نحو مستقبل أرادته مختلفا ومثمرا بالإنجازات فكان لها ما أرادت.

درست تسنيم وتعلمت كغيرها من الأطفال من والدتها التي آمنت بها وبحقها في أن تغدو إنسانة ناجحة أبت إلا أن تكون عكازا يعينها على كل الصعوبات ويحللها من عزلة لم تكن تليق بها كشخص طموح وحالم، فقد كانت تحملها كل صباح بين يديها ذهابا وإيابا لتوصلها إلى المدرسة سيرا على الأقدام غير آبهة بالحالة الجوية آنذاك. والدتها أصرت على أن تجد لها حياة فيها الكثير من الحب والعزيمة والمثابرة، حاولت وبكل السبل أن تأخذ حق ابنتها معلنة وعلى الملأ أن الإعاقة لم ولن تكون يوما سببا في كسر ابنتها أو حاجزا يحول بينها وبين الأحلام التي تريد أن تعيشها واقعيا.

وتبين تسنيم أن انعدام التهيئة البيئية في المدرسة في ذلك الوقت لم يكن مبررا كافيا لأن يثني عزيمتها ويحد من طموحها وأمنياتها وإنما كان شغفها بالحياة يكبر وينمو داخلها يوما بعد آخر، متحدية كل العوائق، فخلفها تقف عائلة محبة ومعطاءة تفتخر بها وتسندها لتقوى على اليأس والضعف والإحباط حتى استطاعت أن تقطع المرحلة الأساسية بتميز وتنتقل إلى المرحلة الثانوية وتحديدا التوجيهي لقد كانت هذه المرحلة نقطة مفصلية في حياة تسنيم، إذ إن المرض اشتد عليها في هذه الفترة الحرجة من مستقبلها فقد كان أمامها خياران لا ثالث لهما إما أن تهدم كل ما بنته طوال السنوات الماضية وتترك كل شيء وترضى بأن تقف عند ذلك الحد، أو أن تكمل طريقها رغم كل الأشواك التي تصر على أن تعترضها.

ولأنها مؤمنة بنفسها مدركة لحقيقة أن الحياة لا يمكن أن تكون وردية دائما وجدت أن عليها أن تتابع المسير متغلبة على كل تحدٍ قد يواجهها، تقول إن تشوها شديدا في العمود الفقري أخضعها لعملية كبيرة وخطيرة استغرقت 72 ساعة متواصلة. وتستذكر تسنيم تلك المرحلة الصعبة من حياتها التي ألزمتها البقاء في المستشفى مدة أربعة أشهر تقريبا اختبرت فيها الوجع والقلق والحرمان، لم تكن مرحلة عابرة أبدا، كانت وما تزال درسا تعلمت منه كيف تنتصر على الخوف وتكون ملهمة لنفسها ولغيرها. هي وبالرغم من المرارة التي عاشتها في تلك الأيام إلا أنها منحتها إصرارا أكبر على الحياة جعلتها أقوى من قبل وزادتها ثقة بالنفس.

أما عن المرحلة الجامعية، فلم تكن أقل صعوبة مما عاشته في السابق، لكنها مع ذلك ظلت قوية تنظر باعتزاز لكل ما حققته. تقول “بعد حصولي على معدل 83 في التوجيهي استطعت أن أحجز لي مقعدا في الجامعة تخصص علم اجتماع وخدمة اجتماعية”، هذه الفترة أيضا فرضت عليها أن تصادق إعاقتها أكثر فأكثر حتى تكون قادرة على الوقوف في وجه كل من يفكر مجرد تفكير في إحباطها وثنيها عن حلمها.

قضت تسنيم أربع سنوات من عمرها في الجامعة، تمكنت خلالهن من العمل في التسويق إلى جانب الدراسة لتعيل نفسها ويكون لها دخلها الخاص وأيضا استطاعت أن تشتري كرسيا كهربائيا لها بدلا من الكرسي العادي الذي شكل فارقا كبيرا في حركتها وتنقلها من مكان إلى آخر. أنهت تسنيم دراستها الجامعية وكلها أمل بأن تجد وظيفة تكون لها أمانا من تقلبات الزمن، لكنها صدمت بالواقع، فشخصيتها المميزة واجتهادها وإصرارها على أن تكون منتجة لها مكانها في الحياة المهنية، كل ذلك لم يشفع لها ولم ينصفها بل جعلها على قائمة الانتظار مدة 11 عاما.

وتؤكد تسنيم أن انتظارها للوظيفة كل تلك المدة لم يمنعها من أن تسلك طرقا جديدة للنجاح، فهي وبحكم أنها طموحة جدا عاشقة للحياة ترفض الاستسلام لكل ما هو محبط وباعث على اليأس والانطواء. قررت أن تخوض تجربة التدريس وهي في بيتها وبالفعل تمكنت من أن تسجل إنجازا آخر يضاف إلى رصيدها، تسنيم نجحت في أن تدرس كل المواد لطلبتها ابتداء من الصف الأول وحتى التوجيهي، هي وبإرادتها التي لا تقهر عرفت كيف تكون قريبة منهم داعما لأمنياتهم وقوة يستمدون منها الأمل والفرح والتصميم. وأيضا عملت في مجال التطوع، وذلك من خلال تأسيسها جمعية “يد بيد” الخيرية، مبرهنة على أن الأشخاص من ذوي الإعاقة قادرون على المساهمة في بناء وطنهم وخدمة مجتمعهم، إضافة إلى تقديم أنشطة ترفيهية ومساعدات مادية ومعنوية للأيتام والأسر الفقيرة وذوي الإعاقة.

الطموح بالنسبة لـ تسنيم ليس له حد مطلقا، مشاركتها في الحياة العامة وقربها من الناس وحملها لهمومهم وقضاياهم، هي كلها مقدمات فتحت لها الباب لتشق طريقها نحو حلم جديد وتحد أكبر مثبتة حقها المشروع في الترشح لعضوية البلدية في الدورة الماضية. هي آمنت بإمكاناتها فحصدت تأييد كل من أحبها وعرفها. وصولها لعضوية البلدية جاء بالتأكيد بعد صبر طويل ومشقة وسنوات من العمل التطوعي، وقد كان هذا الفوز دليلا آخر على قوة تسنيم وإصرارها واستحقاقها للنجاح ولأن تكون من النساء الرائدات والبارزات في المجتمع.

اليوم تسنيم وبعد كل الإنجازات التي حققتها تستعد لأن تؤسس حياة جديدة مع شريك العمر الذي اختارته لتكمل معه المشوار، تقول “من حق كل بنت أن تتزوج وأن تكون أما، ولا يمكن للإعاقة أن تكون ذريعة لقتل ذلك الحلم لدى كثيرات ليس لهن ذنب سوى أنهن في نظر المجتمع غير مؤهلات لتلك المسؤولية”، موجهة رسالتها للجميع “اتركوا الحكم للأيام، فالإعاقة قد تكون في نظر بعضكم عجزا واحتياجا، لكنها بالنسبة لأصحابها مصدر قوة وعطاء وتميز”، مؤكدة ضرورة تهيئة البيئة أكثر أمام ذوي الإعاقة والعمل جديا على دمجهم تعليميا واجتماعيا وإيجاد فرص عمل مناسبة لهم ليكونوا بأمان.

اقرأ أيضاً:

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock