أفكار ومواقف

تصورات إيران..!

من المفارقاتِ الناجمة عن الارتباك الهائل في تصوراتنا أن يطالب البعض بأن تقوم الولايات المتحدة بإخضاع إيران وتغيير النظام فيها. وليست الفكرةُ أن إيران بريئة من طموحات الهيمنة على الإقليم والنفاد من أي خاصرة ضعيفة. لكنَّ اقتراح التخلص من طمعها المفترض فينا عن طريق سيطرة الولايات المتحدة عليها ليست حلاً صالحاً لمشاكلنا. ويبدو أن البعض يفوتون في غمرة الخوف من إيران المعنى العملي لهذا البديل.
عندما كانت إيران في وقت سابق تدور في الفلك الأميركي أيام الشاه، لم تكن نظاما تقدميا وإنسانيا أو صديقا لأحد. بل إنها كانت شريكا للكيان الصهيوني كقاعدة متقدمة للهيمنة الأميركية. ويكتب الكاتب الأميركي رون جاكوبس عن تلك الحقبة: “في ذلك الوقت، كانت إيران الشاه واحداً من أكبر المستفيدين من المساعدات الأميركية. وقد تلقى جيشها التدريب والتجهيز من الولايات المتحدة وصناعتها الحربية… وإلى جانب مئات الملايين التي أنفقت على التسليح، شملت المساعدات الأميركية أيضاً تدريب جهاز شرطة الشاه السرية -السافاك… وتولت الكثير من هذا التدريب وكالة الاستخبارات المركزية والمؤسسات التابعة لها”.
ويضيف: “كان من بين الأشياء التي عرفت عنها أثناء عملي مع الطلاب الإيرانيين (في أميركا في حقبة الشاه)، هي الطبيعة القمعية بشكل لا يصدق للدولة الإيرانية. كان السجن من دون محاكمة، والتعرض للتعذيب، والمداهمات من دون إذن قضائي، كلها أمور متوقعة إذا تورط المرء في عمل سياسي ضد الحكومة. ولم يكن يهم ما إذا كانت معارضة الفرد تستند إلى فلسفة دينية أو إلى فهم سياسي علماني”.
في الواقع، هذه هي إيران الوحيدة الممكنة في حال تمكنت الولايات المتحدة من إخضاعها. لن تكون ديمقراطية محليا ولا جزءا من تكوين سلمي تقدمي إقليمياً. وسوف تلتحق، ببساطة، بمعسكر “حلفاء أميركا” في الإقليم بتركيبتهم الأوتوقراطية المعروفة. وليس من المؤكد بأي حال أن إلحاقها بهذا المعسكر سيلغي التناقضات الحتمية في داخله تحت الإدارة الأميركية. وكمثال، لا شيء يمكن أن يوفق جذرياً بين الكيان الصهيوني والعرب، بغض النظر عن التحركات اليائسة في اتجاه التطبيع و”التحالف” تحت يافطة مواجهة النفوذ الإيراني. ولن تسمح الولايات المتحدة بانسجام معقول بين نظام إيراني تابع وبين العرب التابعين لمصلحة الشعوب، لأن هذا لن يتوافق مع سياسة التوتير والتقسيم الأميركية القياسية. وحتى إذا حدث شيء من الانسجام، فإنه سيكون مشروطاً بإدامة العمل على طريقة “حلفاء أميركا” المفترضين في الإقليم: الانفصال بين الأنظمة والشعوب، واستمرار إدارة المنطقة بطريقة تحقق فقط مصلحة السيد الأميركي وتابعه المفضل في المنطقة، الكيان الصهيوني.
ليست هذه الصورة جميلة، لكنها الناتج المرجح لتمكن أميركا من تحقيق أهدافها في إيران. ولذلك، ينبغي التفريق بين الاعتراضات على السلوك الإيراني المحلي والإقليمي، وبين الاقتراح السائد لضبط هذا السلوك. ولعل الأكثر فائدة ومنطقية هو المطالبة بإيران ديمقراطية وتعددية في الداخل، بالضبط كما هو مطلوب في الدول العربية. ويُفترض أن تكون الأنظمة بهذه المواصفات أكثر مراعاة لتقدم شعوبها، وسعياً إلى التعاون السلمي مع الجيران. ولن يكون أساس العلاقات مرهوناً بأيديولوجيات ثيوقراطية من النوع الذي أسس للصراع الهازم للجميع على أساس سنّي-شيعي. ومن الطبيعي تماماً أن تكون هذه الأنظمة الديمقراطية في مواجهة النفوذ الأميركي والكيان الصهيوني في الإقليم. وغني عن البيان أن الولايات المتحدة هي آخر من يمكن التفكير بأنّه سيرعى مثل هذا المشروع.
في الحقيقة، يمكن بسهولة رصد الارتباك في تصورات إيران عند العرب في ردود الفعل على اغتيال قاسم سليماني. فقد احتفى قسم منهم بمصرعه على أساس أنه رأس الحربة في مشروع إيران للهيمنة على حساب العرب –الذي يعيش موضوعياً على الفراغات التي تتركها السياسات العربية للمتدخلين والطامعين من كل نوع. وفي الوقت نفسه، يصعب إنكار أدوار سليماني والمشروع الذي تصدره في تعزيز معسكر مناهض للهيمنة الأميركية والكيان الصهيوني، على عكس معظم العرب. وعلى أساس المقياس الأساسي للمصلحة الشعبية في المنطقة، بل والإنساني عالمياً، فإن من يعارض المشروعين الأميركي والصهيوني هو أكثر صلاحية لأن يكون حليفاً. ولعل الفارق هو أن تهيئ الأسباب التي تخلصك من حتمية موقف الضحية لمنافسات الآخرين، الذي يجعل خيارك المتاح هو تفضيل هيمنة أحدهم عليك بدل آخر.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock