;
آخر الأخبار حياتناالسلايدر الرئيسيحياتنامنوعات

“هوس” تصوير الحوادث.. عندما تُنتهك إنسانية الآخرين

سارة زايد- شاب يتألم بعد أن اعتدى عليه الجناة، رضيع ملقى على قارعة الطريق، شخص يقوم بإلقاء نفسه من أعلى الجسر، محاولة مواطن حرق نفسه.

تشترك هذه الحوادث القاسية بنقطة واحدة مؤسفة، فبدلاً من مجابهتها والإسراع بتقديم يد العون لضحاياها، أو حتى الاتصال بالجهات المعنية للمساعدة، يباشر المارَّة أولاً بتصوير الحدث، للإسراع بنشره على مواقع التواصل الاجتماعي.

قد تكون الغاية بالنسبة لبعض الأشخاص تحقيق أكبر عدد ممكن من المشاهدات والإعجابات، بينما تغوي البعض الآخر فكرة التقاط مشاهد قد لا تتكرر أبداً، فيسارعون إلى تأطيرها مهما بدت قاسية ووحشية.

نشر الصور على المواقع الالكترونية من دون إذن صاحبها جريمة يعاقب عليها القانون

إذ إن أهم ما يخطر في بال المصور حينها هو اغتنام اللحظات الفريدة لنقلها، ليبدأ بإقناع نفسه بحقيقة أن الآخرين سيساعدون الضحية وسيتدخلون بدلاً منه، فهو منهمك بتصوير ما يجري ولا يرى فائدةً تذكر من تقديم مؤازرته، مما يميِّع من مسؤوليته الإنسانية بنظر الآخرين.

لتصبح كاميرا الهاتف عينه الرقمية التي تسمح له بتصوير كل ما يدور حوله، وحجاباً يفصل بين ما يصوره وبين ما يعيشه بالفعل.

لامبالاة المتفرج

تقودنا هذه السلوكيات إلى التطرق لمفهوم “تأثير المتفرج”، وهي ظاهرة نفسية اجتماعية يكون فيها الأفراد أقل استعداداً لتقديم المساعدة للضحية عندما يكون هناك أشخاص آخرون.

بمعنى آخر، كلما زاد عدد المتفرجين، قل احتمال أن يتمكن أحدهم من المساعدة.

يظهر هذا السلوك عندما يشهد العديد من الأشخاص حادثاً خطيراً، لكن لا أحد يتصل بالشرطة، على افتراض أن شخصاً آخر سيفعل ذلك أو فعل ذلك حقاً.

في عام 1970، أظهر الباحثان جون ديرلي وبيب لاتانيه في كتابهما “المتفرج اللامبالي: لماذا لا يساعد؟” أن احتمال إنقاذ شخص في محنة يكون أعلى عندما يكون المستجيب بمفرده مما هو عليه عندما يكون بوجود أشخاص آخرين.

هواتفنا تطيح بإنسانيتنا أرضاً

في عام 2016 نشبت مشاجرة عنيفة في إحدى المحافظات التي يسكن فيها “حمزة” حينما كان طالباً في كلية الهندسة، بين مراهقين اثنين يحملان سكاكيناً ويهددان بعضهما “بالطعن” في حال تجرأ إحداهما على التعرض لعائلة الآخر.

يقول حمزة: كنت أبلغ من العمر 20 عاماً، وكانت أول “مشاجرة شرسة” أشهدها على أرض الواقع. ولم أكن حزيناً أو مصدوماً، ولم أهرع للتفريق بين الطفلين، كنت أراقب مايحصل وكأني شخصية ثانوية في فيلم إثارة.

يضيف: كنت أعرف أن شخصاً غيري سيتدخل لفض الشجار الحاصل، وكنت أشعر أني لو تدخلت وأقحمت نفسي بينهما، فمن الممكن أن يصبوا جل غضبهم علي، وأن أصبح ضحيةً لكليهما، فخفت واكتفيت بالمراقبة من بعيد.

يستطرد حمزة: سارعت بإمساك هاتفي المحمول لتصوير مايجري، وأنا مختبئٌ وراء الحائط، وكنت أضحك وأقوم بإلقاء النكات معلقاً على مايحدث بين هذين الطفلين. صورت ماحدث ورحت أتفاخر بما وثقت أمام أصدقائي في الجامعة، وكأني أنجزت سبقاً صحفياً ضخماً.

ويؤكد أنه لم يقم بنشر فيديو المشاجرة على صفحاته الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، وأنه لو فعل ذلك، لكانت وصمة عار أبدية لإنسانيته وقيمه التي تبناها حينما نضج.

ويختم حديثه مشيراً إلى أنه بات يكره الكاميرا ويخشاها، فكلما سمع أن فلاناً صور حادثاً ما أو نشر فيديو لا أخلاقي وشهَّر بغيره دون وجه حق، ذُعر وارتاع كما لو كان مكان الضحية.

الواقع القاسي يحتم أن تكون صورته بتلك القسوة

يخالفه بالرأي معتصم، طالب في كلية تكنولوجيا معلومات الأعمال، الذي يهوى اقتناص الفرص لتصوير كل حدث استثنائي قد يثير تعجب أو حتى خوف الآخرين، ويحرز الكثير من المشاهدات والتعليقات.

يقول معتصم: الغريزة البشرية تحتم علينا أن نسرع في توثيق كل حدث غريب واستثنائي يحصل، فقديماً كان الناس يوثقون ذلك بعقولهم وأقلامهم، لكن الآن باتت روايتنا أصدق حينما نوثقها بهواتفنا.

ويضيف: أحب فكرة توثيق كل مايحدث من أمرٍ استثنائي -ما عدا فضائح الآخرين طبعاً- لنقل صورة الناس وما آلت إليه أحوالهم، حتى لو بدا المشهد قاسياً وغير محتمل. نعم قد يتعارض ذلك مع كوني إنساناً ولا أنكر ذلك، لكن الواقع القاسي يحتم أن تكون صورته بتلك القسوة.

متى أصبحنا بهذا البرود؟

يرى أستاذ علم الاجتماع والجريمة بجامعة مؤتة الدكتور حسين المحادين أن التكنولوجيا ساهمت بدخول أساليب جديدة على حياة الأردنيين.

ويضيف محادين لـ”الغد”: تتجلى هذه الممارسة في سيادة ثقافة الصورة، لاسيما الهاتف الخلوي الذي منح المستخدم مرونة في التصوير والبث المباشر للأحداث.

ويتابع: “بالتالي، أصبح الأردنيون مهووسين بالصورةِ وبثها بغض النظر عن مواجع الآخرين الذين تم تصويرهم في لحظات استثنائية، أثناء الفرح، الحوادث أو المشاكل التي تتخذ طابع العنف”.

ويستطرد قائلاً: “من هنا أصبح الهدف (الشهرة وحصد اللايكات) هو العنوان الأبرز بغض النظر عن شرعية الوسيلة أو حصانة الأشخاص الذين تم تصويرهم”.

كيف تتعارض هذه السلوكيات مع أخلاقيات المواطن الصحافي؟

يؤكد المحادين أن “المنظومة القيمية في المجتمع الأردني قد تغيرت كثيراً عما كانت عليه سابقاً. إذ كانت الشخصية الأردنية تتكىء إلى أنماط تنشئة اجتماعية محافظة، كما كانت حريصة كل الحرص على الخصوصية في ظل قيم الجماعة التي كانت سائدة بحكم العلاقات الوجاهية التي تمثل ضبطاً أخلاقياً عالياً”.

ويضيف: “بعد دخول التكنولوجيا وسياسة العولمة، صعدت القيم الفردية شبه المطلقة وزاد منسوب الحريات وساهمت أدوات التكنولوجيا في فكفكة المنظومة القيمية في المجتمع الأردني”.

وبالتالي، أصبح الطلب والعرض، الذي يعد من قوانين العولمة، هو السائد حتى فيما يتعلق بنوعية الصور والفيديوهات التي تبث، وفق المتحدث ذاته

وعن سؤاله حول كيفية الردع الاجتماعي لكل من يتجرأ على إلحاق الأذى للآخرين عن طريق بث صور وفيديوهات “استثنائية” لهم، أكد الدكتور أن “ثمة طريقتان لضبط هذه السلوكيات، أولها نوعية التنشئة المجتمعية والأخلاقية والدينية التي يتشربها الفرد والتي أخذت في التراجع”.

ويضيف: “ثانيها، هو الضبط الخارجي المرتبط بالمؤسسات المرجعية: كالأسرة، المدرسة، الكنيسة أو الجامع، والتي تعاني جميعها من ضعفٍ وتراجع في التوجيه والإرشاد”.

وفي ختام حديثه أكد المحادين أن توثيق هذه السلوكيات قد يبدو ظاهرياً “موجعاً” لمن يراه، لكنه معزز للآخرين لإعادة ممارسته، إذ أن دكتاتورية الصورة تمثل ما يقارب ٨٥٪؜ من مصادر معلوماتنا الحالية.

ويردف: “نحن نقلد مانراه، وبالتالي فإن رصد المنتحرين، المجرمين، أو حتى العراة، يعزز للأسف انتشار مثل هذه الفكرة عند المتلقي”.

القانون يجرم تصوير الآخرين دون موافقتهم

وفي سياق قانوني، تؤكد المحامية مرح الشايب أن المادة (48) من القانون المدني اعتبرت الصورة من الحقوق الملازمة لشخصية الفرد، وعلى حق مَن وقع عليه اعتداء غير مشروع في حق من الحقوق الملازمة لشخصيته، في أن يطلب وقف هذا الاعتداء مع التعويض عمّا يكون قد لحقه من ضرر».

وتضيف الشايب لـ”الغد”: المادة 11 من قانون الجرائم الالكترونية رقم 27 لعام 2015: “يعاقب كل من قام بإرسال او اعادة ارسال او نشر بيانات او معلومات عن طريق الشبكة العنكبوتية او الموقع الالكتروني او اي نظام معلومات تنطوي على ذم او قدح او تحقير اي شخص بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، وبغرامة لا تقل عن مئة دينار ولا تزيد على الفي دينار”

وفيما يخص المادة 348 مكررة من قانون العقوبات، يعاقب بناء على شكوى المتضرر بالحبس مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر كل من خرق الحياة الخاصة للآخرين باستراق السمع أو البصر بأي وسيلة كانت بما في ذلك التسجيل الصوتي أو التقاط الصور أو استخدام المنظار، وتضاعف العقوبة في حال التكرار.

اقرأ المزيد:

التصوير العشوائي في الأماكن العامة “انتهاك” لحرية الآخرين

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock