آخر الأخبار حياتناالسلايدر الرئيسيحياتنا

“تصيد الأخطاء التعبيرية”.. “تفنن” بالتجريح والإساءة

تغريد السعايدة

عمان – لطالما كان التنمر بمفاهيمه المتعددة مرتبطا بالأطفال أو الطلبة في المؤسسات التعليمية، غير أنه الآن بات وسيلة لمحاربة الآخر والتقليل من مكانته في أي مكان يوجد به، فضلا عن اقتناص الأخطاء العفوية من الشخوص، لجعلها “ترند”، وبالتالي “اغتيال الشخصية”.
منصات التواصل الاجتماعي أمست باحات للتنمر الذي يطول كل فرد في المجتمع، ومنهم الشخصيات التي تستلم مناصب وظيفية “عامة”، ليتحجج البعض بأن “الشخصية العامة عليها أن تتقبل النقد والمساءلة مهما كان الخطأ الوارد منها، حتى وإن كان غير مقصود”.
الكثير من الحوادث حصلت خلال الفترة القليلة الماضية، وشهدت تفاعلا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويرى الشاب الجامعي أحمد أن ما يحدث من تعليق على تصريحات رسمية غير مقبول لدى البعض هو ليس من باب التنمر، إنما “هو توضيح لرفض آراء الطرف الآخر التي لا تتناسب مع وجهات النظر الخاصة بنا”.
غير أن أحمد، كما يقول، لا يرضى بأن يرتبط ذلك الاختلاف بوجهات النظر بأي نوع من الإساءة للآخرين والانتقاض من شأنهم والتنمر بطريقة تهكمية، بل يجب أن يكون الانتقاد موضوعيا من دون تجريح، وهو ما قام به هو شخصياً من خلال حساباته الشخصية للتعبير عن رأيه بأمور حدثت خلال الفترة الماضية، وخاصة فيما يتعلق بمعطيات “جائحة كورونا”.
وعلى الرغم من اتفاق كل من إيناس علي، (موظفة)، وخالد عدوان (موظف)، مع أحمد، على أن إبداء الرأي المخالف ووجهة النظر المغايرة لا يعد نوعاً من التنمر، إلا أنهم في الوقت ذاته يستغربون من الفئة التي قد توجه اختلافها بطريقة تظهر بالفعل على أنها تنمر وإقصاء الآخر، بل ونعته بصفات تنتقص من قيمته أمام الآخرين.
كما يرفض عدوان فكرة أن الشخصية العامة مؤهلة لأن تتعرض للتنمر؛ إذ إن هناك فرقا بين التنمر والانتقاد، والتحدث بمصطلحات غير مقبولة، أو الإساءة، ولكن بالمقابل يعتقد أن الشخصية العامة معرضة أكثر من غيرها للتنمر، كون أي حديث أو تصرف يصدر عنهم هو محط أنظار الجميع، خاصة إذا كان ذلك مرتبطا بمناسبة أو حدث معين.
الاستشاري والخبير التربوي الدكتور عايش النوايسة، كان قد بين لـ”الغد” أن الأفعال المرتبطة بالتنمر عبر مواقع التواصل الاجتماعي أمست واضحة بشكل كبير لا يمكن تجاهلها، نتيجة إتاحة المجال للناس بالاطلاع على الكثير من تفاصيل الآخرين وأخبارهم وأفعالهم، ما جعل من السهولة بمكان أن تكون هناك أفعال وردود أفعال لها في المقابل.
وبين النوايسة أن نشر أي منشور أو محتوى على مواقع التواصل الاجتماعي يفتح المجال للنقاش والحوار والاختلاف، والاطلاع على مواقف الآخرين، ما قد يظهر السلوكات العدوانية من البعض، والتهكم والتنمر الإلكتروني، وظهور مشاكل تربوية ومجتمعية تظهر فيما بعد تأثيراتها على حياة الآخرين، ما يستدعي وجود ضوابط وتشريعات تربوية وقانوية لحماية الآخرين.
ويطالب المتابعون لمنصات التواصل الاجتماعي أن يكون هناك “سعة صدر” لدى الشخصيات العامة لتقبل آراء الآخرين، ولكن في الوقت ذاته، يجب احترام حياتهم الخاصة، وعدم نعتهم بمصطلحات غير لائقة، تؤثر على مسارهم الوظيفي أو حياتهم الشخصية، بعيدا عن “الردح الالكتروني”، وفق ما تقوله إيناس.
وتضيف إيناس أنها أمست مستاءة جداً مما تلحظه يومياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتقول إن ما يزيد الأمر سوءًا، هو أن أشخاصا على مستوى عالٍ من التعليم والثقافة، هم من يوجهون تلك الاتهامات للآخرين بطريقة غير لائقة، وبشكل “تنمر” واضح، ولكنهم يبررون تنمرهم بأنه غير مقصود، والتعليق هو فقط على تصريح أو رأي الشخص الآخر، دون الإساءة له، ولكن ما يبدو عبر التعليقات وردود الأفعال، يُظهر أن “التنمر هو سيد الموقف ويطول الكبير والصغير والشخصية العامة حتى أصبح الأمر مثيرا للتساؤل.. إلى أي حد تعد عباراتنا وأفعالنا على مواقع التواصل الاجتماعي محمية من التنمر والتعليق”.
وفي السياق ذاته، يرى الاختصاصي النفسي الدكتور موسى مطارنة، أن التقييم للآخرين يجب أن يكون متكاملا وليس جزئيا، فلا توجد شخصية متكاملة لا تخطئ، وما يحدث عبر مواقع التواصل الاجتماعي من تنمر وتصيد لأخطاء الآخرين، سواء شخصيات عادية أو عامة، هو أمر مرفوض تماماً وله تأثيرات نفسية مباشرة على الشخص وعلى مسار حياته الأسرية والاجتماعية، وقد يؤدي إلى أمور لا تحمد عقباها، وأهمها “اغتيال الشخصية”.
ويبين مطارنة أن ثقافة الانتقاد والتجريح بالكلام واضحة جداً في المجتمع، أظهرها وجود مساحات متاحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي تصدر عن أشخاص، لديهم “ثقافة الانهزام وغياب تقدير الذات والآخرين ولديهم سلبية واضحة في حياتهم”، لافتا إلى أن الجميع معرض لأن يخطئ في التعبير عن رأيه، ما يعني أن الجميع معرض للتنمر من الآخر! ويؤكد مطارنة أن الانتقاد السلبي المُبطن بالتنمر لا يمكن أن يصدر عن شخص لديه ثقافة تعامل سليمة، لذا من الأهمية أن يكون هنالك مهارة في كيفية التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي وطريقة طرح الأفكار من خلالها.
ومن المهم جداً، بحسب مطارنة، أن تتمتع الشخصيات العامة والمسؤولة بمهارات التعامل كذلك مع وسائل الإعلام، وأن يكون لديها “ذكاء إعلامي”، ومواجهة الإعلام والإعلاميين، في المقابلات واختيار الطريقة الأفضل للحوار، ففقدان تلك الثقافة يعرض الشخص لمعاقبة المجتمع، مؤكدا أهمية أن تتمتع المجتمعات “بالرقي في الطرح والنقد لبناء مجتمع سليم”.
ويتفق في ذلك اختصاصي بعلم الاجتماع الدكتور محمد جريبيع، في أن الكثير من المسؤولين الملمين بعملهم على أكمل وجه وذوي الخبرة الكبيرة قد يكونون قليلي الخبرة في مواجهة الإعلام وطرح أفكارهم العملية، و”يخونهم التعبير”، على حد القول، إلا أن ذلك لا يبرر بأي شكل من الأشكال وجود تنمر على الفرد قد يكون سببا في إقصائه من حياته المهنية والمجتمعية، عدا عن التأثير السلبي على حياته الأسرية، وخاصة في مجتمع يتسم بالعلاقات المتقاربة والمتداخلة.
ووفق جريبيع، فإن ظاهرة التنمر زادت حدتها في المجتمع بوجود مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبح هناك ثقافة جديدة مليئة بالانتقاد السلبي، وهنا قد يظهر دور المؤسسات المتخصصة في تأهيل المسؤولين لأن يكونوا قادرين على مواجهة الإعلام، ووجود تشريعات تحد من التنمر والعنف النفسي على الأفراد.
ويعتقد جريبيع كذلك أن نمو ظاهرة التنمر القاتل “اغتيال الشخصية” قد يدفع بالكثير من الكفاءات إلى التخلي عن عملها أو مناصب معينة خوفاً من هذا التنمر، وهذا قد يبرز وجود شخصيات عامة غير مؤهلة، ويدفعنا إلى تأكيد أهمية عدم تقييم الشخص من خلال السوشال ميديا، وعلى الحكومات أن لا تنصاع لضغط التنمر الإلكتروني مقابل إقصاء الشخصيات المهمة الملمة بعلمها.

انتخابات 2020
28 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock