آخر الأخبار حياتناحياتنا

تضميد وجع الآخر واحتواؤه.. مشاعر صادقة تجبر الخواطر!

ربى الرياحي

عمان – هموم كثيرة تجتاح سكينة أناس يحاولون التمسك بالأمل مهما كانت الظروف معاندة لهم؛ لكنهم أحيانا يضعفون أمام قسوة الحياة وصدماتها التي تبدد شيئا من أمانهم وطمأنينتهم، وتشعرهم بالحزن والوجع وربما الخوف.
في هذه اللحظات بالذات يجدون أنفسهم مرغمين على البوح لمن لديه القدرة على أن يسمعهم ويربت على قلوبهم بحب وحنان، لعل ذلك يخفف من ألم تلك الندوب التي تستقر في أرواحهم دون اختيار منهم. وكما أن لحظات القهر والخذلان والخيبة لا تنسى، فكذلك لحظات الجبر والأمان والاحتواء تبقى حتما لمسة دافئة في ذاكرة القلب تخفف من قسوة جروح من الصعب أن تلتئم.
بحب وفخر وسعادة كبيرة، تتحدث الطالبة الجامعية محار خالد عن والدتها وكيف تراها صمام أمان لكل من تعرفه وتربطها به علاقة حقيقية. تقول ان هناك “قلوب تعيش بيننا تدهشنا بصدق مشاعرها وبكمية الحنان التي تستطيع أن تمنحها لمن أتعبتهم الحياة ونالت من أمانهم واستقرارهم”. وتوضح أن والدتها تحاول دائما أن تكون قريبة من هؤلاء الأشخاص تضمد أوجاعهم وتخفف من حمولة قلوبهم المنهكة، والتي حتما تحتاج لمن ينصت لها ويقاسمها أنينها ويحرضها على البوح دون مقاطعة أو تجاهل أو حتى إبداء الملل من حديثهم.
محار اليوم باتت قادرة على أن تكون كوالدتها؛ الأذن الصاغية المحبة لصديقاتها وقريباتها وربما حتى لأشخاص أغراب لا يريدون سوى قلب حان يحتويهم ويبدل خوفهم سكينة وألمهم أملا وتفاؤلا. هي تعي جيدا كيف تكون ضماد لجروح صنعتها الخيبات والكسور داخل قلوب تبحث فقط عمن يجبرها ويرمم ما تصدع من طمأنينتها.
أبو عمر والذي يصف جاره بأنه مؤنس له ورئة ثالثة تمده بالأوكسجين، يبين أن أكبر نعمة في الحياة أن يحظى الإنسان بقلب صادق في مشاعره تجاهه يسانده في كل أوقاته وظروفه، ويكون ملجأ له يلوذ إليه كلما حاصرته الهموم وكبلته المشاكل.
وهذا تماما ما يفعله جاره معه رغم أنه ليس أفضل حالا منه ولديه من الأوجاع والمتاعب ما يكفيه، لكنه مع ذلك يحاول أن يكون دائما جابرا لخواطر من حوله منصتا جيدا لكل ما يقولونه دون أن يتذمر أو حتى يفكر بأن يبادلهم الشكوى نفسها، بل على العكس يجد نفسه مسؤولا عن تطبيب آلامهم وإبعادهم قدر الإمكان عما يحزنهم وإخراجهم من صمتهم الذي يفضلون الهروب إليه خوفا من اللوم والاتهامات المؤذية، وتلك الأحكام التي قد تصدر في حقهم دون رحمة، وبالتالي تزيد من حزنهم ووجعهم بدلا من التخفيف عنهم.
ويرى الأخصائي الاجتماعي الأسري مفيد سرحان أن الإنسان يمر بظروف مختلفة منها ما يبعث السرور والفرح في القلب ومنها غير ذلك، وهو بحاجة لأن يشاركه الآخرون هذه المشاعر. فمشاعر الفرح تخترق أعماق الإنسان لتفيض على الآخرين سرورا وبهجة فيفرح من حوله بفرحه، أما مشاعر الحزن والقهر فتبقى حبيسة داخل الشخص إن لم تجد من يستطيع استخراجها من الأعماق.
وبسبب ظروف الحياة وتعقيداتها، فإن كل منا يمر بأوقات بحاجة فيها إلى من يستمع له وينصت والإنصات فن لا يتقنه الكثير من الناس وهو مطلوب في كل الظروف وهو المدخل الأهم لعملية التواصل الفعال مع الآخرين، وسبب رئيس لكسب القلوب وتقوية العلاقة مع الآخرين وبالإنصات الجيد يستطيع الشخص أن يكسب الآخر ويحافظ على علاقاته وصداقته لمدة طويلة.
والإنصات، وفق سرحان، أعلى درجة من الاستماع للآخر وهو يعني أن تستمع للآخر مع أقصى درجات الانتباه والتركيز حتى في أدق التفاصيل وامتلاك القدرة على الصبر والتحمل حتى لو كان الكلام طويلا ومهما كان الإنسان قويا لا بد أن يمر بأوقات وللحظات صعبة يشعر فيها بالضعف وبالحاجة لمن يقف إلى جانبه وينصت له.
ويضيف سرحان ان مشاكل الحياة كثيرة، وخصوصا بعد انتشار فيروس كورونا، حيث زادت الضغوطات النفسية أو الشعور بالضجر وترقب المستقبل فالناس بحاجة إلى من يواسيهم ويخفف عنهم، وهذه مهمة الجميع أن يبادلوا بعضهم مشاعر العطف والمحبة سواء بالموقف أو الكلمة الطيبة أو تقديم العون وأقلها الإنصات للآخر، ولها أثر كبير في النفوس، وبجبر خاطر إنسان ضعيف مكسور القلب يمر بأزمة أو ظروف صعبة خلق عظيم يدل على رجاحة العقل وسعة الصدر وصفاء القلب والسريرة.
وأشكال جبر خواطر الناس كثيرة ومتعددة، وفق سرحان، فالتهوين على شخص عند المصيبة التي تلم به وتقديم النصيحة الصادقة لمن يحتاجها ورفع همة الضعيف وقضاء حوائج الناس والسؤال عن الآخر وتقديم التعزية والتهنئة في المناسبة. كما أن الاعتذار والابتسامة والتعامل اللطيف وإشعار شخص بالأهمية كلها أمور تجبر خاطر الشخص في لحظة هو بحاجة فيها لمن يقف فيها إلى جانبه وهي جميعها أخلاق كريمة تخفف عن الآخرين وتدخل الفرح والسرور إلى قلوبهم.
وبهذا المعنى فإن الشخص يستطيع أن يجبر خاطر آخر حتى وإن كان هو نفسه مهموما فهو سلوك ملازم للإنسان عندما يتعود على العطاء ومساعدة الآخرين، وكلما كان الشخص قريبا من القلوب لجأ إليه الأهل والأصدقاء دائما.
ولحظات جبر الخاطر من المواقف التي لا تنسى فكل منا حفر في ذاكرته مثل هذه المواقف التي بالرغم من مرور السنوات عليها إلا أنها لن تنسى، حيث يتذكر الشخص من كان سببا في التخفيف عنه أو إنقاذه من مشكلة سواء بالقول أو الفعل وهي مواقف تحفظ ولا تنسى وتبقى في الذاكرة.
ويقول الأخصائي النفسي الدكتور موسى مطارنة ان الأصل في الإنسان هو الأنس والاقتراب من الآخر، وحاجة الإنسان للإنسان كبيرة جدا خاصة في لحظات الحزن والألم والقهر، مضيفا أن القدرة على احتواء الآخر والتعامل معه بإيجابية وأمان وصناعة الفرح أمور كلها تسهم في إيصال المرء لأقصى درجات الإنسانية والنبل والرقي.
ويبين أن انعدام المساندة النفسية وغياب الاحتواء يشعر الشخص بالضعف والحزن والإحباط ويزيد من ألمه وقهره، كما أنه أيضا يفقد جزءا كبيرا من دافعيته وقدرته على المقاومة.
ويذهب الى ان وجود أشخاص يحبونه وينصتون له إلى جانبه يساعده كثيرا ويخفف عنه ويبعده حتما عن الاكتئاب أو حتى التفكير بالانتحار أحيانا. ويلفت إلى أن الإنسان في هذه اللحظات تحديدا بحاجة لمن يهتم به ويحتويه ويشعره بالطمأنينة وبأن مشكلته بسيطة مع محاولة لتمكينه من استعادة الأمل والتفاؤل وفتح نوافذ جديدة له من خلال إبراز الجوانب الإيجابية في شخصيته والاطمئنان عليه باستمرار وإعطائه المساحة ليعبر عما يؤلمه ويضايقهم.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock